آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 7:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

سيرة عابرة لحياة توأمين

محمد الحرز صحيفة اليوم

هما مصابان «بانفصام الشخصية» أو بالشيزوفرينيا. نطق بها الطبيب بسرعة فائقة وكأنه يريد أن يتخلص من ثقل الحروف على لسانه. في تلك الأيام هذه الكلمة لم تطرق مسامعي، وما أعطي الكلمة بعدا غامضا، وتشويشا في ذهني الطريقة التي تحدث بها الطبيب عن نتائج الفحوصات التي أجراها على أخوي التوأمين طارق وعماد. كانت نظراته تنتقل بمرح لا معنى له بين التقارير التي بين يديه ووجوهنا التي لا تحيد عن نظراته، وبزاوية مستقيمة حادة، على الكنبة التي تتسع لأربعة أشخاص: أبي وأنا والتوأمين.

حينها شعرت أنه يريد أن يكتشف الأخطاء السبعة في وجوهنا أو أنه يريد أن يقول شيئا مهما، ولكن بطريقة مبتكرة. لم أستوعب من كلامه العلمي سوى أن التوأم أكثر الأشخاص المعرضين لمثل هذا المرض بسبب الجينات وانقسام البويضة ووو...، كنت أصغي إليه وأقول في نفسي: لماذا لا يقول إنه الجنون بدون لف ولا دوران! كانت صور بعض الرجال الذين كنا نطلق عليهم مجانين في حينا بالكوت الواقع في قلب الهفوف بالأحساء، تتداعى إلى ذهني، «المنطوي» وهذا لقبه، واحد منهم. كان يمشي في طرق «فريج الكوت» حافي القدمين، تعلوه هالة من الغبار، من أثر المشي، وأغلب الأحيان يكتفي من ملابسه بفانيلة وسروال، وعلى كتفه تلتصق مسجلة من ماركة سوني قديمة، في أطرافها تحتوى على سماعتين كبيرتين، وبمجرد ما يدير زر التشغيل على أغاني المطرب الشعبي عيسى الأحسائي، وبصوت عال، حتى نجد أنفسنا نحن الشباب متحلقين حوله، نتمايل بأجسادنا مع إيقاع أغانيه.

والغريب أنه لا تصدر منه حركة ولا كلمة كأنه واحد من الموديلات الشهيرة للرسم في إحدى الكليات العالمية للفنون. يقف هكذا بكامل الصمت الموجود في الحياة، وكأنه يتحدى انكسار صخبنا حوله بهذا الصمت. ولا يتلاشى هذا الموقف المتناقض وينتهي، سوى بقدوم أحد رجالات الحي، وسحبه من بيننا، إلى أن يتوارى عن الأنظار. هذه الصورة لم تغب عني على الإطلاق وأنا أنظر إلى الطبيب وهو يسأل: من منكم طارق ومن منكم عماد؟ خمن، يجيبه والدي وهما يبتسمان. في نهاية نوفمبر من عام 1990 وقد انقضى على احتلال صدام للكويت أربعة أشهر كان أخواي التوأمان في صحراء العراق يتلمسان طريق الهروب بين مئات الطلبة الذين ذهبوا للنجف وكربلاء لطلب العلم ثم حاولوا العودة بعد الاحتلال وبعد الانتفاضة الشعبانية. كانت تجربة قاسية على حياتهما، فأعمارهما وقتذاك لم تتجاوز الخامس عشر عاما.

كان الضياع دليلهما في صحراء تمتد إلى أكثر من ألف كيلو متر بين العراق والسعودية وبادية الشام. وبعد أسبوع كامل من التيه كانت الشاحنة الصغيرة «البيكاب» التي تجمع فيها مجموعة من الطلبة وبعض العوائل الأحسائية قد تلمست طريقها بفضل سائقها العراقي الخبير بطرق الصحراء في العراق. هذه التجربة ألقت بظلال عتمتها على لاحق الأيام من حياتهما. حين بدأت الحرب تشتعل، والقصف الجوي يغطي سماء المنطقة كانت الناس تترقب صفارات الإنذار كي تختبئ في منازلها، ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وازداد الطلب على الكمامات الواقية من الغازات السامة التي روج الإعلام بأن صدام سيطلقها عبر صواريخ سكود.

في تلك الأثناء كنا نرتجف من الرعب أنا وإخوتي عدا التوأمين كانا لا يباليان بصفارات الإنذار، ينظران إلى الرعب الذي يتنزه في وجوه المارة، بضحكة تنم عن استهزاء، وهما يجلسان على عتبة المنزل. وحدها أمي كانت تقرأ في وجهيهما ما سوف لاحقا يقول الطبيب لأبي: إنهما تعرضا لضغط نفسي كبير، وهذا هو السبب الآخر الذي جعلهما بهذه الحالة.