آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 1:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

حتى الأبناء الصغار يريدون أن يكونوا مليونيرية

أمير الصالح

بعد عدة نقاشات صريحة وأحاديث مطولة شفافة مع إبني الأصغر، لوعظه في تقليل عدد ساعات اللعب على جهاز البلايستيشن أو مشاهدة اليوتيوب في بعض الاحيان. صدمني إبني بالدافع الرئيس له في تبرير استنزاف وقت طويل باللعب الالكترونيغ والمشاهدات لمقاطع لعب الإلكترونيات بقوله أنه يبحث عن أحد طرق الثراء السريع من خلال المنافسات في تصفيات الألعاب الإلكترونية. بعد أخذ الإذن منه في نشر بعض حديثي معه، أشارك القراء الكرام جزء من النقاش الذي دار بيني وابني الأصغر بهدف مشاركة التجارب واستنطاق الحوارات الهادفة وردم فروقات الفهم الخاطئ بين الأجيال.

في معرض نقاشنا، قال إبني الأصغر: بابا كم هو راتبك الشهري مقارنة بما يحصده نجوم العالم الافتراضي؟! فقلت له: ولماذا تسأل عن راتبي الشهري؟ الحمد لله بذلت جهدي في التحصيل العلمي واستحصلت وظيفة مرموقة وأنا أوفر لك ولإخوانك بحمد الله كل ما تحتاجونه وهذا فضل كبير من الله.

فرد إبني الصغير: هل تعلم يا أبي أن الفوز في دوري بعض المسابقات لبعض الألعاب الإلكترونية يجعلني استغني عن الوظيفة وللأبد. فمثلا، إذا تفوقت في لعبة فورتنايت أستطيع أن أشارك في مسابقات تُعقد بأوروبا واحقق ملايين الدولارات اذا فزت، وعندها اكون أغنى فرد في اسرتي، وساجلب لك كل شي تحبه وسأذهب بك وأمي إلى مكة المكرمة وساشتري لك سيارة جديدة. ثم ذكر استشهادا وتعزيزا أسماء مثل Evan في youtube وجالبس وغيره.

وبحثت في النت تحت عنوان Millennial kids can earn $10,000 a month playing video games.

ابتسمت واحتضنته وقلت له: أنا سعيد بأن يكون لديك طموح عال وأن تسعى نحو تحقيقه، ولكن يبدو أنك أغفلت الكثير من الحقائق وإن بريق بعض الدعايات الإعلامية الكاذبة قد اوقعتك في شراكها. فرد ابني الصغير منفعلا: أبي، أنت دائما تشكك في الدعايات ولا تصدق كل مايقال في التلفزيون.

قلت له: بُني حبيبي الدنيا فيها من يسعى بالخير وفيها من يسعى بالشر ولابد ان أساعدك لاكتساب مهارات أساسية لكي تكتسب لقمة عيشك وتصون ماء وجهك من أي حاجة للآخرين والتعليم هو الطريق الآمن لبلوغ ذلك وكذلك التجارة. من حقك على والديك ان نقوى ملكاتك على التمحيص بين الخير والشر ونربيك على مفاهيم الخير والتعامل مع الواقع لتنطلق نحو اهدافك بكل امان وثقة ورصانة وواقعية. الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر أو الجوال لمدد زمنية طويلة سيؤثر بك ان عاجلا أو آجلا لاسيما على عضلة رقبتك وصحتك وبصرك وحتى أفق تفكيرك يصبح مؤطر وتكون حبيس الشاشة وتفقد لياقتك البدنية مع مرور الوقت. ربما يابني من الجيد أن تطور مهارات وقدرات كثيرة لتكن مليونيرا حقيقيا يوما ما وأنت في كامل صحتك وليس عبر الأحلام والتمدد أمام شاشات الحاسوب وإهمال الواجبات المدرسية او المنزلية او العلاقات الاجتماعية على أمل الفوز في المستقبل لشي غير معلوم وجوده بعد فترة من الزمن. تذكر يا بني اني أحبك كما أنت، وإني اعلم ان وسائل كسب العيش والرزق تغيرت مع تغير أدواتها في هذا الزمن. فأنا عندما كنت في عمرك، كان لدي حلم أن أكون لاعب كرة قدم مشهور جدا وأحقق مكاسب مالية عالية لصفقات بأرقام فلكية كما كنت أشاهد في التلفزيون واقرأ في الصحف. ومع مضي الوقت وترادف السنون، اكتشفت اشياء عديدة ومنها ان احلام اليقظة تاكل الوقت ولا لها اي قيمة في ارض الواقع. كما أني عرفت حينذاك أن لعبة خلق الإدمان وسيلان لعاب المتابعين تحتاج من الشركة صاحبة المشروع التجاري للالعاب الالكترونية خلق فائزين بين الحين والحين بعدد قليل جدا لضخ المزيد من الدعاية والترويج وبث روح طول الأمل في جسم البقية من الناس لا سيما الصغار من عمرك وضمان استمرار الادمان من قبل المتابعين الاخرين كما هو الحال في مسلسلات الإثارة للكبار.

لو دققت فان عدد أهل الملايين من الأطفال عن طريق الألعاب الإلكترونية قليل جدا إلا أن الضجة والهالة الإعلامية تركت الانطباع لديك ولدى الكثير ان كل أطفال دولة معينة هم أثرياء!

وهذا ليس بصحيح.

في مقتبل شبابي استفدت الكثير مما علمني إياه والدي، ادام الله عزه، من الأمور التي اعانتني على إدارة شؤون حياتي وحفظني الله بسبب تطبيقها من الوقوع في الفخاخ والشراك لتلكم الدعايات المظللة والهادرة للوقت والتي تجعل البعض من الناس يعيش في سراب مستدام؛ فضلا عن أنني بحمد الله نجوت من الاكتئابات والاحباطات المتوالية التي وقع فيها اناس آخرون ظلوا ينساقون خلف الدعايات المضللة لعقود من الزمن معلقين بآمال لا وجود لها بالواقع.

بني تعلمت بان:

1 - الاستشعار بأهمية إدارة الوقت،

2 - مهارات التفكير النقدي «critical thinking»،

3 - الإبداع «creativity»،

4 - الوفاء بالالتزام «team commitment»،

6 - التواضع «humility»،

7 - العطاء والإبتعاد عن الأنانية unslefish giving»

8 - التقييم الموضوعي «fair judgement»،

9 - الكرامة «integrity»،

10 - الإعتماد على الذات «self confidence»،

11 - التفاؤل والصبر،

12 - النظرة الإيجابية الواقعية،

13 - الانحياز لنتائج وعدم البحث عن تبريرات،

14 - الابتعاد عن التشويشات في التحصيل الدراسي والتركيز على المفيد الذي يمكن تحقيقه بيدي

15 - وفوق كل ذلك تعلمت أن اكون مستمع نشيط «active listening» وإنسان نشيط.

هذه الخصال تحتاج يا ابني إلى جهد ووقت لاكتسابها وممارستها. اما تسويق الاحلام وبيع التمنيات بالثراء السريع من خلال ضربة حظ فمعظم الناس في هذه الدنيا يحملون نفس التمنيات ويتطلعون لنفس الحلم اي الثراء السهل والسريع دونما جهد. إلا أنه فقط وفقط المجدين ومن لهم حظ وتوفيق وصلو لتحقيق امانيهم.

بُني، تذكر انه ليس هناك عاقل يوزع اموال مجانا وانما دورة المال الواقعية تنطق بان المال يجب استحصاله من خلال العمل الشريف وليس النصب والاحتيال. واختصارا ولتفعيل دروس الاقتصاد في نفسك، فمن الان فصاعدا عندما اعطيك مبلغ فقسمه على ثلاث صناديق. صندوق للمصروفات وصندوق للاستثمار وصندوق لتوفير. اذا تعلمت التوفير والاستثمار من نعومة اضافرك فباذن الله النجاح حليفك واقل النجاح في ذلك حفظ كرامتك المالية. تخيل انك تعلمت ان تستثمر في بعض الاسهم او التجارة او الاعمال الصناعية؛ فلو بدأت على سبيل المثال في الشراء باسهم Netflix فان سهمها نمى بما يوازي 13,209 ٪؜ منذ عام 2004 حتى 2019 م. ولو صرفت جهدك في تعلم اساليب التوفير فانك تحفظ ماء وجهك عن السؤال او السلف او الاقتراص ولو تعلمت فقط الصرف واصبحت إنسان مستهلك فقط فانك حتما ستكون مدان لاحد البنوك أو لاحد أقاربك. فاحرص على ان تزرع سلوك المليونير المثابر في نفسك للوصول للهدف وليس سلوك المستهلك المسرف الكسول.