آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 5:29 م

مجتمع المؤسسات المنعشة ‏22

بدر شبيب الشبيب *

مما يحكيه العرب في تاريخهم قبل الإسلام أن المنذر بن ماء السماء جَدَّ النعمان بن المنذر كان ينادمه رجلان، يعني: صديقان يسهران معه وربما «يُعسِّلان معه أيضا» أي يتناولان المعسّل. لا أدري!

وفي إحدى الليالي شربوا ما يدير رؤوسهم، وهم يحسبون أنهم ينتعشون به. لم يكن بالطبع ما شربوه وطنًا كما طلب المرحوم الشاعر محمد الثبيتي في رائعته «تغريبة القوافل والمطر» حين قال:

أدِرْ مهجة الصبحِ..

صُبَّ لنا وطنًا في الكؤوسْ.. يدير الرؤوسْ..

وزدنا من الشاذلية حتى تفيء السحابة..

أدِرْ مهجة الصبحِ..

واسفح على قلل القوم قهوتك المرةَ المستطابة..

رحل الشاعر الثبيتي، وما صب له أحد وطنا في الكؤوس يدير الرؤوس.

نعود للمنذر وصاحبيه اللذَين أخذتهما النشوة، وطار عقلاهما، فصارا أكثر جرأة. ومعلوم أنه كلما جُنَّ الإنسان، ازدادت جرأته لأنه لا يحسب للعواقب حسابا. أخذ صاحبا المنذر المنتشيان يعارضانه في الرأي بكل شفافية السكارى والمجانين، ولم يعودا يأبهان لمقامه. ولأن المنذر متشرب بالديمقراطية ومتعود عليها في بيئته العربية منذ نعومة أظفاره، فقد استشاط غضبا وارتفع ضغطه، وربما هبطت نسبة السكري عنده أيضا، فأحضروا له شيئا من بقلاوة الشام. تفاعل الغضب مع المسكر وكانت نتيجة التفاعل الكيميائي فكرة حمقاء، حيث أمر بأن يُجعل صديقاه في تابوتين وأن يُدفنا حيين بظاهر الكوفة.

عندما طلع الصباح، وراحت السكرة وجاءت الفكرة، انتبه إلى خطئه الجسيم في حق صديقيه، فحزن واغتم واتخذ قرارا آخر أحمق. جعل لنفسه يومين في السنة يقيم عند قبريهما، يوم بؤس ويوم نعيم. فإذا كان في يوم نعيمه، انبسط مزاجه، وأعطى أوّل من يطلُعُ عليه مائة من الإبل، إبل الملوك، وبتعبير اليوم «مزايين الإبل». أما في يوم بؤسه فإن مزاجه يتعكر، فيعطي أول من يطلع عليه رأس ظَرِبَان، ثم يأمر بهذا الشخص المسكين فيُذبح. والظربان حيوان شرس من آكلات اللحوم و«خايس» أيضا. جاء في لسان العرب: والظَّرِبانُ: دُوَيْبَة شِـبْهُ الكلب، أَصَمُّ الأُذنين، صِماخاه يَهْوِيانِ، طويلُ الخُرْطوم، أَسودُ السَّراة، أَبيضُ البطن، كثير الفَسْوِ، مُنْتِنُ الرائحة.

هكذا أصبح مزاج المنذر متحكما في حياة الناس ومصائرهم، ينعش من يشاء ويقتل من يشاء.

لا يمكن بالطبع لمؤسسة ما أن تنتعش وهي تدار بمزاج المنذر بن ماء السماء الذي يعلو ويهبط بدون مقدمات أو مبررات موضوعية، تماما كمؤشر سوق الأسهم عندنا، يخضرُّ ويحمرُّ تبعا لمزاج هوامير السوق. أما اللاعبون الصغار فهم لا يعلمون شيئا عن يوم نعيم الهوامير ويوم بؤسهم. يدخلون السوق على قاعدة «حظك نصيبك»، فإن ارتفعت الأسهم انتعشوا، وإن هبطت انكمشوا. هذا في أحسن الأحوال، وإلا فإن بعضهم يصدق عليه قول الشاعر:

بينا يُرى الإنسان فيها مخبرا.. فإذا به خبر من الأخبارِ

والسؤال هو: كيف ننقذ مؤسساتنا الاجتماعية من حالات الجزر بعد المد والانكماش بعد الانتعاش، وكأن بها شيئا من مزاج المنذر؟

والجواب يتمثل من وجهة نظري في ثلاث نقاط أساسية:

الأولى: هي الحوكمة التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة، والتي تعني الإدارة الرشيدة والانضباط في كل شيء، في الأداء والسلوك والإدارة وأعمال الرقابة والمتابعة، وفي توزيع المسؤوليات وفي الالتزام في المساءلة، وفي العلاقات بين كل الأطراف المشتركة في الشركات، وفي وضع الاستراتيجيات والانضباط في المنتج والخدمة، وفي التعامل مع العملاء لكسب الرضا وتعزيز الولاء.

الثاني: التعاون بين المؤسسات التطوعية المختلفة، والاستفادة من تجارب بعضها، والسعي لإقامة تكتلات مؤسسية اجتماعية كبيرة تستطيع اجتذاب الطاقات المختلفة، وتستفيد من الخبرات المتاحة على المستوى الاجتماعي العام. وهذا يوفر الكثير من الجهود، ويقوي المؤسسات ويجعلها أكثر إنعاشا.

الثالث: اجتذاب الطاقات الشابة للمؤسسات الاجتماعية، حيث الأفكار الجديدة والدماء الجديدة والحماس المنعش. وهذا الأمر يحتاج إلى تخطيط علمي لعملية الإحلال الانسيابي بما يكفل استمرار تدفق عطاء المؤسسات بشكل متواصل النماء، ويضمن انتقال التجارب والخبرات من جيل لآخر.