آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:57 م

موقعنا من آية الحب

بدر شبيب الشبيب *

كان مما أوصى به الإمام الباقر تلميذه النجيب جابر بن يزيد الجعفي:

«واعلم بأنّك لا تكون لنا وليّا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك؛ ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرّك ذلك. ولكن اعرض نفسك على كتاب الله، فإن كنت سالكا سبيله، زاهدا في تزهيده، راغبا في ترغيبه، خائفا من تخويفه، فاثبت وأبشر! فإنّه لا يضرّك ما قيل فيك. »

أن يعرض الإنسان نفسه على كتاب الله عز وجل ليعرف موقعه من الإعراب الإيماني، فهذا من أصعب الأمور وأشدها، حيث يتطلب بالإضافة إلى فهم مُرادات القرآن، نفسا صافية شفافة قابلة للمحاسبة الدقيقة، مستعدة لتقبل النتائج، متطلعة إلى الإصلاح الذاتي. وذلك لأن معيار العرض على القرآن الكريم معيار دقيق لا يجامل أحدا، ولا تأخذه في الحق لومة لائم. وبما إن الناس ﴿أكثرهم للحق كارهون فإن القلة القليلة هم فقط من يستطيعون ممارسة عرض أنفسهم على كتاب الله بصدق وإخلاص.

ويمكننا اختبار مقدار صعوبة هذا الأمر الشاق العسير، بمحاولة عرض أنفسنا على آية واحدة من كتاب الله العزيز تتناول أمرا مفصليا في مصير الإنسان، إذ يتحدد في ضوء معيارها موقعه في خارطة الإيمان.

سأسمي هذه الآية آية الحب، لأنها تتحدث عن موقعية الحب الأكمل في منظومة الحب عند الإنسان. يقول تعالى في سورة التوبة:

﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «24».

والسؤال الآن: هل نستطيع أن نعرض أنفسنا على هذه الآية لنكتشف أين نحن؟ هل نستطيع أن نُقَيّم علائقنا وروابطنا النسبية والسببية والاعتبارية بالمال والتجارة والمساكن لنعرف مدى انشدادنا القلبي إليها وتعلقنا بها، وأن نضع ذلك في كفة ميزان في كفته الأخرى حبنا لله ولرسوله ولجهاد في سبيله، فنرى أي الكفتين أرجح؟

الجواب صعب مستصعب، لذا فإن علينا مراجعة حساباتنا مع أنفسنا حتى نتمكن من بدء عملية إعادة رسم خريطة الحب في قلوبنا، ليكون الأول أولا بالفعل. قد يقول البعض إن الحب ليس بالاختيار، فكيف نتحكم في أولويات حبنا؟ والجواب أولا إنه لو لم يكن بالاختيار لما كان موضعا للمحاسبة والمفاضلة والتمييز؛ وثانيا يكفي أن تكون مقدماته اختيارية ليكون اختياريا بالفعل، ومقدمات الحب من المعرفة واختيار الطريق اختيارية كما هو معلوم وجدانا.

إن انشداد قلب الإنسان وتعلقه بالأعراض الفانية، وتقديمه إياها على حب الله وحب رسوله وحب الجهاد في سبيله يكشف عن خلل إيماني يحتاج إلى تدخل جراحي لإجراء عملية القلب المفتوح.

لنتأمل في الأحاديث الشريفة التالية المروية عن النبي ﷺ والتي تبين موقعية حبه ﷺ وأهل بيته من الإيمان:

• لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.

• لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، وذريتي أحب إليه من ذريته.

• لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي إليه أعز من عترته، ويكون أهلي أحب إليه من أهله، وتكون ذاتي أحب إليه من ذاته.

وبعد التأمل في هذه الروايات، لنسأل أنفسنا: أين نحن من هذا المستوى من الحب المطلوب؟

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم حبه وحب نبيه وأهل بيته عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وأن يوفقنا للعمل بمقتضيات ذلك الحب.

دمتم بحب.. جمعة مباركة بحب الله وحب رسوله رسول الحب ﷺ وأهل بيته الكرام.. أحبكم جميعا.