آخر تحديث: 12 / 8 / 2020م - 11:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

التصنيف.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

الاختلاف المادي وتفاوت الشرائح الاجتماعية من الأمور الطبيعية، اذ من الصعب وقوف الفئات الاجتماعية عند مستوى واحد، فكما يوجد الفقير هناك الغني، وكذلك الامر بالنسبة لمختلف الافراد، وبالتالي فان الاختلاف يعطي قيمة للمجتمع الواحد، نظرا لوجود احتياجات متعددة لدى مختلف الطبقات الاجتماعية، الامر الذي يفسر تنوع الاهتمامات وتفاوت المستويات المادية، لاسيما وان المرء لا يستطيع العيش بمعزله في جزيرة نائية بعيدة عن الاخرين، نظرا لصعوبة تلبية متطلباته الحياتية، والافتقار للامكانيات اللازمة، لتأمين جميع الشؤون الشخصية.

المشكلة تكمن في التعامل غير الواعي للاختلاف الاجتماعي، فالبعض يمارس ”الفوقية“ غير المبررة على الاخر، انطلاقا من المكانة الاجتماعية او المستوى المالي، بحيث يدفعه لانتهاج ”التكبر“ سبيلا لاذلال الاخر، في مختلف التعاملات اليومية، خصوصا وان البعض يستغل الوضع الاجتماعي في اشباع بعض النواقص النفسية، مما ينعكس على شكل ممارسات غير مستساغة، من لدن الكثير من الفئات الاجتماعية.

التحرك وفق النظرة القاصرة في التعاطي مع الاخر، يحدث حالة من النفور ونشر الكراهية في النفوس، خصوصا وان الكرامة الإنسانية تأبى الرضوخ، او السكوت على ”الاذلال“، ومحاولة اظهار الفوقية وتغذية بعض العقد النفسية، ”ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه“، فالمرء الذي يمتلك القيم الأخلاقية، ليس في وارد التعامل بفوقية مع الاخر على الاطلاق، اذ ينطلق من الحالة الإنسانية بالدرجة بعيدا عن العوامل الخارجية، التي تحكم التعاملات لدى بعض الفئات الاجتماعية ”الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق“.

التصنيف على أساس العرق، او الوضع المالي، او المستوى الاجتماعي، او المكانة العلمية، تجد أصداء كبرى لدى بعض الفئات الاجتماعية، بيد انها غير قادرة على تكريس التعامل الإنساني في البيئة الاجتماعية، فانتشار هذه المفردات في الوسط الاجتماعي يعكس المستوى الثقافي لدى الغالبية العظمي، مما يستدعي وضع برنامج لاعادة برمجة المفردات، بما يتماشى مع الخلق الإنسانية الفاضلة، فالتعامل الحسن والقائم على المساواة الكاملة، لا يعني الانتقاص او التعدي على الاخر، فالعلاقات الاجتماعية القائمة على المثل الأخلاقية، ليست مدعاة للقضاء على الاحترام المتبادل، وحفظ الألقاب، وبالتالي فان محاولة الخلط بين التعامل الإنساني، والتعدي على المكانة الاجتماعية، مرفوض على الاطلاق.

الثقافة الاجتماعية لاعب أساسي، في تكريس نوعية التعامل، بين الشرائح الاجتماعية، فالمرء يتحرك وفقا للمساحات المتاحة امامه في الوسط الاجتماعي، فاذا وجد مساحات واسعة للتعبير عن ”الفوقية“ تجاه بعض الفئات الاجتماعية، فانه يخرجها للعلن بمختلف الصور وشتى الوسائل، فيما سيحاول احتساب الخطوات بشكل دقيق بمجرد الإحساس، بوجود خطوط حمراء، فيما يتعلق بنوعية العلاقات الاجتماعية، الامر الذي يفرض المزيد من الاحترام المتبادل، بعيدا عن المسميات والألقاب، التي يحاول البعض التخفي وراءها، لممارسة الفوقية تجاه الاخر.

المفردات المتداولة في البيئة الاجتماعية، تمثل انعكاسا لنوعية الثقافة السائدة، فهناك الكثير من المفردات تكرس واقع التصنيف الاجتماعي، مما يجعله واقعا متوارثا بين الأجيال المتعاقبة، الامر الذي يتمثل في صور عديدة، بعضها يظهر بصورة صارخة، والبعض يمارس بطرق متعددة، وبالتالي فان محاولة الانسلاخ من البيئة الاجتماعية، عبر استخدام بعض المفردات الجديدة، لاعادة التلاحم الاجتماعي عملية ضرورية، خصوصا وان الاستسلام للواقع المعاش يعكس الضعف، ويظهر القناعة بمثل هذه الثقافة، في الوسط الاجتماعي.

التصنيف القائم على الإمكانيات، والقدرات الذاتية امر طبيعي، فهو يختلف تماما عن التصنيف القائم على الاذلال، وممارسة الفوقية، فالاختلاف بين البشر احدى السنن الكونية، فهو يفضي لحالة من التكامل البشري، نظرا لصعوبة استحواذ الفرد على جميع العلوم، ومختلف الحرف، وبالتالي فان الحديث يتناول الممارسات غير السليمة، المستخدمة في التعاطي غير الإنساني، تجاه بعض الفئات الاجتماعية، سواء نتيجة الشعور بالقوة، او غيرها من الأسباب العديدة، التي تفضي لاظهار الوجه البشع، لدى بعض البشر تجاه الفئات الأخرى.

كاتب صحفي