آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:36 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 23

بدر شبيب الشبيب *

كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي من الكتب المنعشة. وهو عبارة عن مسامرات لسبع وثلاثين ليلة قضاها التوحيدي في منادمة الوزير الحسن بن سعدان «المتوفى سنة 375 هـ» وزير صمصام الدولة البويهي.

ويلقي الكتاب بعض الأضواء على الحياة الاجتماعية والثقافية، وخصوصا حياة الأمراء في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وما كان يدور في مجالسهم ويشغل وقتهم من أسئلة ونقاشات وخصومات وشراب أيضا.

الحديث عن التوحيدي كمثقف مغترب حديث طويل. فقد عاش في العشرين سنة الأخيرة من حياته مستترا متخفيا عن أعين السلطة، مما جعله يُقدم على إحراق كتبه متأثرا بظروفه النفسية الصعبة، أو كما يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: «لقلة جدواها وضنًّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته». والذي يظهر لي أنه أراد بإحراقها أن يحدث ثورة كما فعل البوعزيزي في تونس، ولكن لم يلتفت له أحد. يعني بالعامي «ما حد حولك».

عن الليلة الرابعة والثلاثين من المسامرات مع الوزير، يقول التوحيدي: «وقال الوزير في بعض الليالي: قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامة من خوضها في حديثنا، وذكرها أمورنا، وتتبعها لأسرارنا، وتنقيرها عن مكنون أحوالنا، ومكتوم شأننا، وما أدري ما أصنع بها، وإني لأهم في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنةٍ وأيدٍ وأرجلٍ وتنكيلٍ شديدٍ، لعل ذلك يطرح الهيبة ويحسم المادة، ويقطع هذه العادة».

من يتمعن في كلام الوزير سيكتشف مدى رسوخ الحالة غير الديمقراطية في حياتنا. فالوزير لا يتحمل أي انتقاد لشخصه ممن يسميهم العامة، ويعتبر ذلك تدخلا سافرا في شؤونه الداخلية. وهو لا يُتعب نفسه في تشخيص المشكلة، ومن ثم البحث عن علاج ناجع وحلول، فالحل الأمني جاهز دائما، ومفعوله سريع، فلماذا إجهاد العقل في التفكير في غيره؟! الأسهل تقطيع الأيدي والألسن والأرجل وممارسة التعذيب لمجرد استخدام الوتساب بإصدار القرن الرابع الهجري.

طبعا في تراثنا العربي «المجيد!» بشكل عام لا يوجد أي احترام للجماهير، فهم العامة والرعاع والدهماء والسوقة والسفلة والأوباش. هذا نصيبهم من المصطلحات، أما نصيبهم من غيرها فواضح من عبارات الوزير المحترمة جدا!! ويمكننا أن نعزز ذلك بتوصيات وزير الخليفة المعتضد في شأن تقرير أمني رُفع للخليفة يتضمن - كما يذكر التوحيدي - أن طائفة من الناس «يخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث». يقول التوحيدي: فلما عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعاً، وحرج صدراً، وامتلأ غيظاً، ودعا بعبيد الله بن سليمان، ورمى بالرفيعة «أي التقرير» إليه، وقال: انظر فيها وتفهمها. ففعل، وشاهد من تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره، وشرد آلف صبره، وقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين. قال: فما الدواء؟ قال: تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فإن العقوبة إذا اختلفت، كان الهول أشد، والهيبة أفشا، والزجر أنجع، والعامة أخوف.

الدواء كما نرى واحد، وهو الوصفة الجاهزة التي تفشل دائما ويبقى الخليفة والوزير والحاشية يصرون على تجريبها، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التشخيص أولا.

طالت المقدمة، ولم نصل إلى ذي المقدمة كما يقولون. فمجتمعاتنا نفسها تعاني من سيادة ذات المنهج في معالجة مشاكلها وإدارة شؤونها؛ منهج العلاج دون تشخيص، إذ نشكو من قلة أو انعدام المؤسسات البحثية المتخصصة، وغياب مراكز الدراسات ومخازن التفكير الاستراتيجي «Think Tanks»، مما يجعل الحلول أو الرؤى التي نتبناها في الغالب غير مبنية على أسس علمية. والأدهى من ذلك هو ضعف استشعار أهمية التفكير المنهجي المنظم لدينا عند طرح قضية من القضايا للنقاش، وهو ما يظهر من خلال ترديدنا عبارات من أمثال: «كفاية تنظير، ما نحتاج منظرين، بلا فلسفة زايدة»، وكأن بيننا وبين التنظير والفلسفة عداوة وثارات.

العالم اليوم أشد إدراكا لأهمية مراكز التفكير. فقد رصدت جامعة بنسلفانيا عام 2011 م 6545 مركزا حول العالم؛ لأمريكا الشمالية وأوروبا منها نصيب الأسد. بينما لا تتجاوز نسبة المراكز المؤسسة في الشرق الأوسط 5% من الإجمالي وأهمها وأشهرها في إسرائيل.

في شارع واحد في واشنطن اسمه K Street يوجد عدد كبير من هذه المراكز التي تلعب دورا هاما منعشا في ميدان اتخاذ القرار في الحياة العامة في أمريكا. أما شوارعنا فهي موزعة بين البقالة والحلاق والمطعم والبوفية، فهل نحتاج لمنظرين بعد هذا.