آخر تحديث: 26 / 2 / 2020م - 10:55 ص  بتوقيت مكة المكرمة

طبق ”المقلوبة“ وطبق ”المصقعة“

أمير الصالح

لم يدر في خلدي في يوم من الأيام أن أتقدم واطبخ وجبة غذاء رئيسية لكامل أسرتي لافتقادي لأساسيات مهارات الطبخ. وسقفي الأعلى في مهارات الطبخ إلى الأمس القريب لا تتجاوز سلق البيض أو قليه وإعداد كوب شاهي. إلا أنني تعاهدت على نفسي أن لا أجعل يومان من حياتي متساويان وأمضيت قدما في تعاهد فكرة الاستمرار في تحطيم الروتين وتهشيم صنم الرتابة. وهذه الفكرة منتزعة من روح الدعوة للنمو المستمر التي أطلقها الإمام الصادق في الحديث المروي: «من تساوى يوماه فهو مغبون». وبالفعل طلبت من شريكة حياتي، أم عبد الله، أن تجدول إعطائي دروس في أساسيات الطبخ خلال أيام الاجازات التي نقضيها في مدينتنا. من جهتي أعددت نفسي معرفيا بأن اقتنيت عدة كتب عن عالم الطبخ وشاهدت عدة حلقات من برامج طبخ عالمية في اليوتيوب والنتفليكس. ثم دخلت المطبخ لمشاهدة طريقة إعداد زوجتي لبعض الاطباق الرئيسية كالكبسة واللحم بالخضار وأطباق أخرى.

أعلنت ذات يوم عقد العزم والنية على إعداد طعام لكامل الأسرة. من صدف ذاك اليوم الذي جدولت أول مرة أطبخ بها للأسرة، كانت لدينا كمية فائضة من الباذنجان والفليفلة الخضراء، فقلت لشريكة حياتي: أود أن استغل وجود الفائض من تلكم الخضار في إعداد طبخة ما. فقالت أن هناك طبخة تدعى ”مقلوبة“ وهي تحتاج لمهارات قد لا يجيدها الطباخ المبتدئ. وطبق المقلوبة يحتوي الباذنجان والبطاطس واللحم والرز والفليفلة الخضراء.

أشعلت جملة ”لا يجيدها الطباخ المبتدئ“ روح المنافسة مع الذات للبرهنة على الانجاز. إلا أنني تذكرت بأني مقل من مادة الرز سعيا لمحاربة أي بوادر لبروز الكرش وتقليلا للنشويات. فقلت لزوجتي هل لديك مقترح لطبق آخر بنفس المكونات مع حذف الرز ؛ فقالت: اقترح عليك إعداد طبق المصقعة باللحم وهذه أسهل لك وفيها تحد متوسط وتستغرق وقت في اعدادها. وبالفعل شمرت عن ساعدي وأخذت في الإعداد لطبق المصقعة وتم انجازها على أتم وجه تحت إشراف وتوجيهات زوجتي أم عبد الله.

بعد تقديم الطبق وتناول أفراد الأسرة له وابداء الثناء علي، انتابني ذلك اليوم شعور جميل ينم عن الرضا الداخلي وتحقيق النجاح والامتنان للتقدير الصادر من الجميع. وهنا أدركت الجهد الذي تبذله أمهاتنا وزوجاتنا في إعداد الطعام وضرورة إبداء كلمات الثناء والاطراء لرفع الروح المعنوية وتجذير لغة العرفان. وأدركت أيضا أن الفرن مصنع ضخم ويحتاج إلى إدراك فنون أصول السلامة في التعامل معه وإذكاء روح الابداع والابتكار في إعداد الأطعمة.

دار في ذهني تساؤل عن سبب تسمية بعض الأطعمة في بيئتنا: مضروبة، مهروسة، مقلوبة، محروق أصبعه، مغموسة، خبيصة، الشلة... الخ. وبحثت عن الجواب التفسيري فلم أجد أقرب من أن السبب هو خذلان المحيطين والمتناولين للطعام في الثناء واسباغ الاطراء على الأمهات أو الزوجات سابقا. كردة فعل من خلال التعبير النفسي بتسميات الأطباق بتسميات تشير إلى مدى الاستياء والبهدلة والتعاسة واختفاء التقدير أو ماشابه.

فلذا أعتقد بأن مدى شعور الرضا عند إعراب أفراد الاسرة بالامتنان وإطلاق كلمات التشجيع بعد تناول الوجبات نحو أمهاتهم وزوجاتهم تنعكس على أسماء الأطباق.

واطرح مقترح إعادة تسمية: مقلوبة إلى اسم مشكورة واسم مصقعة إلى اسم محبوبة. ونتطلع لأسماء جميلة لاطباق الأكل المعدة. فكلمة ”شكرا“ كانت ومازالت بلسم. فشكرا أمي... شكرا زوجتي.... لكل شيء بذلتموه وقدمتموه لاسيما كل إعداد لإطباق الطعام التي أعددتموها على مدى الأيام والسنوات.

نعلم أنه ليس كل النساء لا يجدن بعض اللغات الحية أو المهارات الناعمة في التواصل أو صنع كل الأطباق لاسيما الأطباق العصرية على المطبخ الخليجي. واستنهضت من تلك التجربة الخاطفة عن تعلم مبادئ الطبخ في نفسي، أن الزوج الجاد في تطوير أعضاء اسرته، عليه أن يدرج زوجته في دورات دراسية في مجال إعداد الأطعمة العصرية كما يدرج أبناؤه في دورات اللغة الإنجليزية تتواكب ومتطلبات الحياة. فالطريق لقلوب بعض الرجال هو معدتهم.