آخر تحديث: 22 / 1 / 2021م - 11:31 ص

مجتمع المؤسسات المنعشة 24

بدر شبيب الشبيب *

تنقسم المجتمعات من حيث علاقتها بأبنائها المبدعين إلى منعشة و«مُطَفشة». الأولى حاضنة جاذبة، والثانية رافسة طاردة. بحثت عن كلمة «طفش» في القواميس، فوجدتها في لسان العرب وفي القاموس المحيط بالفاء الساكنة، وتعني النكاح. لا أدري كيف تحولت بالعامية لمعنى لا ينبغي أن يرتبط بالنكاح من حيث هو في الأصل سكن، وليس تطفيشا. يبدو أن هذا المعنى المنقول ابتكره أحد الطافشين أو المطفشين من «الطفش»، ويمكن أن يكون لارتفاع تكاليف «الطفش» في زماننا الراهن سبب في ذلك، حتى أصبح «الطفش» أي النكاح كالحج لمن استطاع إليه سبيلا.

نعود للمجتمعات والتقسيم الثنائي بين منعشة ومُطَفشة. ويمكن أن نقرب ذلك بما يطلق عليه هجرة العقول أو نزيف الأدمغة. فقد تحدثت بعض التقارير عن هجرة حوالي «100، 000» مائة ألف من أرباب المهن وعلى رأسهم، العلماء والمهندسون والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي لبنان، سوريا، العراق، الأردن، مصر، تونس المغرب، الجزائر. كما أن «70%» من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصّص لا يعودون إلى بلدانهم.

أي إن هناك مجتمعات لا توفر البيئة المناسبة لاحتضان الطاقات والكفاءات، بل توفر عكسها. وفي المقابل هناك مجتمعات تستقطب كل ذي كفاءة أيا كان أصله وفصله، وتدعمه ماديا ومعنويا لتستخرج مخبوءه ودفائنه وكنوزه. وتمشيا مع مصطلحاتنا السابقة، سأسمي المنعشة بالبطريقية، لما يمثله البطريق من حالة احتضانية دافئة حميمة، تحدثنا عنها في المقال رقم 19 من هذه السلسلة. أما المطفشة فسأسميها المجتمعات الظربانية. الظربان تحدثنا عنه في المقال رقم 22 في قصة المنذر بن ماء السماء، وقلنا بأنه حيوان شرس آكل للحوم، وجاء في لسان العرب تعريفه بأنه دُوَيْبَة شِـبْهُ الكلب، أَصَمُّ الأُذنين، صِماخاه يَهْوِيانِ، طويلُ الخُرْطوم، أَسودُ السَّراة، أَبيضُ البطن، كثير الفَسْوِ، مُنْتِنُ الرائحة، يَفْسُو في جُحْرِ الضَّبِّ، فيَسْدَرُ «أي يدوخ» من خُبْث رائحته، فيأْكله. فهو إذن يمارس بالفطرة ما يفعله البعض عندما يريدون صيد الضب بحشر جحره بعوادم السيارات، أي الطريقة «الشُّكمانية» في تطفيش الضب.

يتحدث الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه «تجارب محمد جواد مغنية بقلمه» عما كان يحدث له ككاتب، يفترض أن يلقى الحضن الداعم والمساند، ولكن. يقول «رحمه الله»: تأتيني رسائل من أفراد في البلاد العربية تمدح عبقريتي وتثني على جهادي، والنتيجة أن صاحب الرسالة يطلب مؤلفاتي مجانا، وكأني أزرعها في أرضي كالبصل ويطلب أهل القرية ورقة منها أو رأسا، يطلبها السائل على أن أرسلها وأدفع أجرة البريد مع العلم بأني لا أكلف أحدا شيئا. وكم أخجلني أفراد من كثرة الإلحاح فاشتريت لهم من مالي الخاص وأهديتهم. ولاحظت من بعض الشيوخ عندما طلب وألح عليَّ فلما أهديته رماه ولم يقرأ منه شيئا. وإذا اضطررت لعدم الإجابة أو لم أر سببا للجواب يرسل إلي بعضهم ثانية وثالثة لماذا لم تُجب، وكأنه لم يفهم أن عدم الجواب في هذا الباب جواب".

في الغرب يرتبط اسم الكاتب غالبا بالحالة المادية المنعشة، بل إن بعضهم أصبح مليونيرا، كالكاتبة الإنجليزية ج. ك. رولينج التي كانت عاطلة عن العمل، ثم وبسبب سلسلة قصص هاري بوتر دخلت نادي الأثرياء. أما عندنا فلا يمكن للكاتب غالبا أن يحقق عيش الكفاف من عائدات كتبه، وكثير منهم تحول إلى مديونير. أعرف أحد الشعراء طبع ديوانا ثم صار يبيعه في دكان الخضروات لعله يلقى من يشتريه مع الطماطم والبطاطس.

إننا بحاجة ماسة لمؤسسات اجتماعية حاضنة تسعى لاكتشاف المبدعين في كافة المجالات ومن الجنسين، وتتبنى أمورهم، وتتكفل بأحوالهم. وهو ما سنفصل الحديث عنه في المقال القادم بإذن الله.