آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 10:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

يوميات العزل الصحي «16»

أثير السادة *

لا أعرف أحداً رأى فيروس كورونا جهرة أو بالسر، لكني أعرف كما الكثيرين أوصافه وأفعاله، آثاره وطرقاته التي مر منها، حياتنا التي تبدلت بحضوره هي الدليل عليه، وعلى قربه وبعده من هذا المكان أو ذاك، هذا المتمدد على طول الكرة الأرضية دون أن نراه جعلنا نكثر حوله الصور، نحركه من سكونه عبر رسوم بيانية وفيديوهات توعوية وصور فوتوغرافية تتلصص على يوميات المرض، لا نعرف من هيئته ولا شكله إلا ما تجلى عنه من ارتباكات في حياتنا اليومية، وما سكن من وجع في أجساد الذين باغتهم في رحلة العدوى.

ففي قبال صور الأنفوغرافيك التي تزورنا في كل يوم واصفة اتجاهات المرض، كانت هنالك صور فوتوغرافية باذخة تجعلنا على حدود المرض وتداعياته، صور لها بريق في العين، حيث تستقر فيها ولا تغادر رغم تكاثر الصور من حولها، هذه الصورة حيويتها من قدرتها على اختراق مشاعرنا، وإثارة الأسئلة فينا، صور لا تقفل أضلاعها على حدود موضوعها، بل تظل مفتوحة على مايحتشد في أذهاننا من تأويلات وخيالات.

من منا ينسى اليوم صورة البيت الحرام فارغاً من المصلين في لحظة نادرة رسمت لوحة من الحزن في عيون المصلين الذين شعروا بقسوة اللحظة قبل أن يصبح ذلك شأن كل بيوت العبادة في زمن الكورونا، أو صورة الأسرة المصفوفة في الملعب الكبير بالصين لاحتواء المرضى في أوهان، وبعدها لحظات البهجة باغلاق المشافي المؤقتة كإعلان عن الانتصار على المرض في هذا البلد، أو صورة المقاهي الفارغة في مدريد، وصورة الطليان وهم يحاصرون حصارهم بالغناء من شرفاتهم، وصورة فريقي يوفيتوس وانتر ميلان في مباراة القمة خلف مدرجات بلا جمهور، أو صورة شوارع نيويورك الفارغة من الحياة ليلاً، أو صورة الكادر الطبي وقد حفرت الأقنعة في وجوههم أخاديد من التعب، هذه الصور لا تشبه الكثير من الصور سريعة الذوبان التي تعبر من أمامنا ولا تثير فينا الكثير، هي صورة قادرة ليس على إقناعنا فقط، بل على وخزنا وصياغة طبيعة وعينا للحدث.. أمام الصورة نصبح أمام خطاب به من المضمرات ما يساوى الطافي على سطحه، فثمة صور تكرس النجاح، وأخرى تكرس روح التحدي، وثالثة تفتح الأفق للمزيد من القلق، كل صورة هي تروج بالضرورة لأحوال مرسلها، وتنفتح على تأويلات مستقبلها، وتتلبس بأحوال الناقل لها.

محلياً، جرى إنتاج الكثير من مقاطع الفيديو، ضمن جهود إقناع الناس بصعوبة المرحلة وجدية المرض، كما جرى تعليق الكثير من البوسترات الإرشادية في الطرقات، وجمعيها كانت ترتبط بالبعد النفعي للصورة، أي ما نرجوه منها ضمن حملة صحية توعوية، وجدنا في مقاطع الفيديو جهدا بصرياً منذوراً لتعزيز الحقيقة التي تقوم عليها الممارسة الصحية، ولم نجد هذه القوة في الاقناع حاضرة في الصور الفوتوغرافية، وهذا ينسحب على التغطيات الصحفية، التي تركزت على وصف أحوال الناس، وأحوال القرارات، ولم تذهب إلى بلاغة الصورة في التأكيد على خصوصية الصورة الفوتوغرافية، وعمقها الدلالي والجمالي، يمكن للمتتبع أن يميز الفارق في تغطيات الحدث بين الوكالات الدولية والمحلية على مستوى الصورة، كانت الأرقام والإحصاءات أكثر الأشياء ملموسية في هذه الأزمة في قبال صورة تخلو من الفصاحة أحياناً، وتفتقر القدرة على الاقتراب أحياناً أخرى.

هذه الأزمة الصحية هي مساحة لاختبار وظائف الصورة واستثمارها، والمشي بعدسات المصورين إلى حدودها الإنسانية، واستنطاق اللحظة عبر حكايات الصورة، صورة لا تبالغ في تأنقها التقني بقدر مبالغتها في اختراق معاني الحدث واكتشاف عوالمه. نريد أن يقرأ الناس في الغد سطوراً وصوراً للتعرف على هيئة المرض الذي مر من هنا، أن يعيشوه كصورة كثيفة الظلال، بها من حرية المبدع، وصدقه وتفانيه في رواية الحقائق، فحتى السرديات ستظل ناقصة من دون الصورة، والصورة قادرة على أن تكون مستودعاً مفتوحاً لتآويل الحدث.

الذين يقفون في الصف الأمامي من المصورين الإعلاميين هم معنيون بجعلنا نرى بنحو أفضل، وكذلك أن نتذكر غداً بنحو أكثر دقة، حتى لا يطوي القلق الذي يحاصرنا دفاتر الأيام من دون أن ندون فيها تلك التفاصيل الاستثنائية، لمعركة مفتوحة كان الأمل قائدها، وإن تظللت بغيمة قلق دائماً، هذا المزيج من المشاعر يملك المصور أن يبتكر له وجوداً خاصاً في فضاء الصورة، وأن يحيله نصاً له كل مقومات البلاغة، نص يبتعد عن الثرثرة ويقترب من روح السهل الممتنع، حتى لا يقال غداً بأن حرباً ضروساً كهذه لم تحظى بعين حادقة لترصدها كما ينبغي!.