آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 10:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

عندما تتسع الْفُلْك

الثلاثاء 24 آذار/ مارس صمتٌ أطبقَ على الطرقات امتد من الساعةِ السابعةِ مساءً حتى السادسة صباحاً. طوى ما كان مبسوطاً وأغلقَ ما كان مفتوحاً.

منذ أن اشتدت الأزمةُ لا تكاد تمر ساعة دونَ أن نسمعَ أو نرى داعٍ في بلدٍ مسلم أو في بلد لم يخطر لنا في بال أن الناسَ فيها سوف يبتهلونَ وينقطعون جماعاتٍ وفرادى، يهربون نحو قوةٍ عظمى يعتقدون فيها الخلاصَ والنجاة. هي حالة الفلك التي إذا ركب فيها الإنسانُ ورأى ماءَ البحرِ بساطاً لا متناهٍ من أجمل البسط والفرش المنسوجة والمنقوشة باللونِ الأخضر والأزرق ظن أن السفينةَ تحميه. ثم تهب الرياحُ ويعلو الموج، وينقلب مشهدُ السفينةِ إلى خوفٍ ورعبٍ مميت. الآن يتذكر قوةً حجبها البطرُ عن فكره!

في هذه الفترة استحالت سفينتنا الهشَّة إلى سفينةٍ تحمل العالمَ كله! يستبق بعضنا البعض الوصولَ إلى شواطئ السلامة. تعددت اللغاتُ والألحانُ والكلماتُ وبقيَ المركز ونقطة الجذب واحدةً موحدة، فلا البِحار تحابي من فوقَ السفينة ولا الأمراض تحترم ألوانَ الناس. اتحد البشر في الوجهةِ العليا التي تتمثل في السماء، طوق النجاة، وسوف يتحدونَ أفقياً بينهم لكي لا يخرقَ أحدُ الراكبين السفينةَ فيغرقَ من في الجُؤُجُؤُ ومن في العجز، يتعاطفونَ ويتكاتفونَ فينجون كلهم ثم تختفي الأزمةُ وتبقى ذكرى في صفحاتِ التاريخ.

هذه الأزمة أكدت لنا أننا كلنا في بحرِ الدنيا ركاب، لا نفكر في الغرقِ ولا القوة التي تنقذنا منه إلا بعد هبوبِ العواصف. فإذا أحاط بسفينتنا طوفانُ الموجِ من كلِّ مكان أخلصنا الدعاءَ وفزعنا للهِ في الشدائدِ النازلة حين تنقطع عنا الأسبابُ الظاهرة وتعيينا الحيل، نعود إلى فطرتنا الإنسانية أن اللهَ سبحانه هو ربنا - لا ربَّ سواه - وندعوه حينئذٍ تضرعاً وخفية، ونعدهُ أن نشكره بعد النجاة.

إذا نزلت بنا النازلة، وانقطعت عنا الأسباب وغابت عن مسرحِ نظرنا قواربُ النجاة تذكرنا أن اللهَ هو الوحيد الذي يقدر على كشفِ ما بنا من غم، وأنه الذي يدبر أمرنا. ووجدنا أنفسنا ظالمين لا نستحق النجاة من قبله تعالى لما كسبت أيدينا من السيئات، وَعدنا ربنا أن نشكره ونطيعه ليكشفَ الضر ويستجيب دُعانا. ثم يعود اللهُ وينجينا! عجيبٌ أمر البشر وأعجب منه أمر الرب.

ولكي نأخذ جرعةً مضادة لما بعد النجاة من ظلماتِ البرِّ والبحر وغيرها لا ننقض الميثاقَ الذي واثقناه به ونعود إلى سابقِ أفعالنا. من ركب البحرَ يدرك أن كلَّ السفن تغرق، وليس ينجو منها إلا من أيقنَ أنه ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ?.

مستشار أعلى هندسة بترول