آخر تحديث: 22 / 1 / 2021م - 1:03 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 25

بدر شبيب الشبيب *

جاء في قصص العرب: ادعى مُدعٍ النبوة، ويبدو من القصة أنه قد يكون مصابا بمرض نفسي، أو ربما أراد لفت الأنظار إليه لأنه يمتلك كفاءة معينة، ولكنه مهمل. وكعادة العرب المتأصلة فيهم، فإنهم لا يكلفون أنفسهم عناء البحث وراء الحالة وتشخيصها ومعرفة أسبابها ومدى جديتها. بل يذهبون لآخر الدواء مباشرة وهو الكي قبل تجريب أي دواء آخر حتى زيت الزيتون الذي تعتقد بعض الأمهات أنه دواء لكل شيء حتى تأخر النطق. نعود لقصة المدعي حيث تم استدعاؤه، وبدون أي استجواب أو محاكمة دُعِي له بالسيف والنطع، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: نقتلك. قال: ولم تقتلونني؟ قالوا: لأنك ادعيت النبوة. قال: فلست أدعيها. فكان عليهم أن يطلقوا سراحه، غير إنهم وجهوا له سؤالا آخر: فأي شيء أنت؟ قال: أنا صدّيق. فدُعِي له بالسياط. فقال: لم تضربونني؟ قالوا: لادعائك أنك صديق. قال: لا أدعي ذلك. فواصلوا سؤاله كأنهم يريدون ضربه تحت أي ذريعة. قالوا: ومن أنت؟ قال: من التابعين لهم بإحسان.. فدعي له بالدرة «أداة للضرب أخف من السوط». قال: ولم ذلك؟ قالوا: لادعائك ما ليس فيك. هنا انفجر المدعي فيهم مؤنبا، فقال: ويحكم!.. أدخل إليكم وأنا نبي تريدون أن تحطوني في ساعة واحدة إلى مرتبة العوام! اصبروا علي إلى غد حتى أصير لكم ما شئتم!!

نقول: ربما كان الرجل صاحب طموح ما، بل ربما كان عبقريا، فسلك الطريق الخاطئ لجذب انتباه الآخرين إليه، ولو وجد مؤسسة حاضنة لعبقريته لما ادعى النبوة. نقول: ربما. ما يهمنا هنا هو أن القوم ما حاولوا معرفة ما وراء الأكمة، وأنهم لا يستطيعون ممارسة الصبر لاستكشاف هل هو عبقري أم أحمق.

مما لا شك فيه أن الدول العربية تزخر بالكثير من الكفاءات والعقول المبدعة، غير أنها لا تجد من يلتفت لها ويحتضنها ويرعاها، فتوأد في مهدها، أو تضطر للهجرة إلى خارج أوطانها طلبا للأحضان الدافئة المتوفرة في بلاد الفرنجة كما يسميهم أجدادنا.

في ورقة منشورة في موقع مؤسسة الفكر العربي تحت عنوان: هجرة العقول العربية أسبابها وآثارها الاقتصادية. وردت الإحصائيات التالية:

1. يهاجر حوالى «100، 000» مائة ألف من أرباب المهن وعلى رأسهم، العلماء والمهندسون والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي لبنان، سوريا، العراق، الأردن، مصر، تونس المغرب، الجزائر. كما أن «70%» من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصّص لا يعودون إلى بلدانهم.

2. منذ العام «1977» ولحد الآن هاجر أكثر من «750، 000» سبعمائة وخمسين ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة الأميركية.

3. إن «50%» من الأطباء، و«23%» من المهندسين، و«15%» من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا.

4. يسهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية خـصوصاً أن «54%» من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم.

5. يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو «34%» من مجموع الأطباء العاملين فيها.

6. تجتذب ثلاث دول غربية غنية هي: الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكندا نحو «75%» من العقول العربية المهاجرة.

هذه الأرقام بلا شك مخيفة، وتتطلب من الحكومات أولا النظر لها بجدية لوقف تسرب هذا الكم مما هو أغلى من العملات الصعبة جميعها، أي الكفاءات البشرية النادرة. لكن في ظل غياب المبادرات الحكومية الفاعلة، فإن على المهتمين بتنمية مجتمعاتهم ضرورة العمل على إيجاد مؤسسات تهتم بالإبداع والمبدعين اكتشافا واحتضانا ورعاية وتوظيفا وتكريما. هنا ينبغي أن أشيد بالمبادرة الرائدة في مجتمعي المحلي، حيث انطلقت جائزة القطيف للإنجاز عام 2009 م والتي تهدف إلى تشجيع الإبداع وتكريم وتحفيز المبدعين. وهي بلا شك من المؤسسات الاجتماعية المنعشة. لكن المطلوب إيجاد مؤسسات موازية تهتم باكتشاف المبدعين وتوفير الأجواء المناسبة لتقدمهم، تماما كما تفعل الأندية المتطورة من البحث عن اللاعبين حتى في الأحياء الشعبية وأندية الحواري.