آخر تحديث: 22 / 1 / 2021م - 11:31 ص

أغرقوا بناتكم حبا «1»

بدر شبيب الشبيب *

لا تزال بعض رواسب الثقافة الجاهلية مستقرة في منطقة اللاوعي من بنيتنا النفسية والفكرية. والشواهد على ذلك كثيرة جدا، وليس هذا مجال سردها أو بعضها. سأركز على شاهد واحد فقط هو نظرة البعض التمييزية بين وُلده من البنين والبنات. يبدأ التمييز من لحظة إيصال خبر جنس الجنين للأب، فالطبيبة تسأله أولا عن عدد الأولاد والبنات عنده تمهيدا لإخباره وخوفا من ردة فعله، وكأن الذي في بطن زوجته مخلوقا من كوكب آخر. أليس هذا سلوكا جاهليا تحدث عنه القرآن الكريم مشنعا على فاعليه؟! يقول تعالى: «وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ» النحل: 58

ولا ينتهي التمييز عند حد، فالمعاملة مختلفة لصالح الوَلد، والأعذار حاضرة لصالح الولد، والخزينة مفتوحة لصالح الولد ومستقبله، أما البنات فلا حواضن لهم. قد تكون البنت ذات قابليات أوسع من ذكاء وفطنة وقدرات وطاقات، ولكنها لا تحصل على الفرصة المتكافئة حتى في بيتها، فضلاً عن المجتمع ذي الصبغة الذكورية الذي يشغله جسدها قبل عقلها وقلبها وروحها وإنسانيتها.

إن واحدا من الإنجازات النبوية الكبيرة على المستوى الإنساني هو إسهامه ﷺ في تغيير الثقافة السائدة في مجتمع ما بعد البعثة فيما يخص نظرته للمرأة بشكل عام ومن مفرداتها الأساسية البنت. وهذا وجه مشرق كان ينبغي علينا كمسلمين توظيفه في الدفاع عن نبي الإسلام وشريعته المقدسة وفي الدعوة إليهما، ولكننا نبدو كمحامين فاشلين يدافعون عن أعدل قضية.

لنتأمل في هذه المجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تُعلي من شأن البنت، وتبرز قيمتها ومكانتها، وتضيء زواياها الخفية، وتدعو لمزيد من الرعاية والعناية والاهتمام بها وبتربيتها.

- لا تَكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات.

- البنات هن المشفِقات المجَهَّزات المباركات.

- نعم الوَلَد البناتُ المخدرات، من كانت عنده واحدة جعلها الله سترا له من النار.

- من كانت له ابنة فأدبها وأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له مَنَعة وسترا من النار.

- من ولدت له ابنة فلم يؤذها ولم يُهِنها ولم يؤثر ولده عليها - يعني الذكور - أدخله الله بها الجنة.

- إن الله تبارك وتعالى على الإناث أرأف منه على الذكور، وما من رجل يُدخل فرحة على امرأة بينه وبينها حرمة، إلا فرَّحه الله تعالى يوم القيامة.

- عن الإمام علي : كان رسول الله ﷺ إذا بشر بجارية قال: ريحانة ورزقها على الله عز وجل.

أما حفيده الإمام الصادق فإنه يستقي من مدرسة جده رسول الله ﷺ ويؤكد على نهجه الشريف. يقول للجارود بن المنذر: بلغني أنه ولد لك ابنة فتَسخَطها؟ وما عليك منها! ريحانة تشمها وقد كُفيت رزقها، وقد كان رسول الله ﷺ أبا بنات. ويوجه شخصا آخر رآه متسخطا لما ورده خبر أن جاءته مولودة. فقال له : أرأيت لو أن الله تبارك وتعالى أوحى إليك « أن أختار لك أو تختار لنفسك » ما كنت تقول؟ قال: كنت أقول: يا رب تختار لي، قال: فإن الله قد اختار لك. وفي رواية أخرى يعقد مقارنة بين الولد والبنت لصالح البنت، فيقول: البنون نعيم والبنات حسنات، والله يسأل عن النعيم ويثيب على الحسنات.

إن البنات بحكم تكوينهن النفسي والعاطفي بحاجة ماسة للمزيد من الحب والحنان والعطف والرعاية، بخاصة في زمن الفضاء المفتوح وشبكات التواصل اللامحدودة، مما قد يغرقهن في بِرك آسنة مصطنعة، تبيع الحب الرخيص والعواطف المبتذلة، إذا لم نقم نحن بإغراقهن في بحور ومحيطات حبنا.

جمعة مباركة.. دمتم بحب.. أحبكم جميعا.