آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

رفقاً بنساء الوطن

ليالي الفرج *

بلغة يُدركها الجميع، تُحاط المرأة العربية عامة والسعودية خاصة بهالة من الخصوصية، وبِفهم جلَّي يُدرك الجميع أنَّ الدِّين والعُرف هما مُرتكزان لهذه الخصوصية من حيثُ المَصْدريَّةُ أو المرجعيَّة.

و رغم أننا نعيش العقد الثاني من الألفية الثالثة التي انبثق مع بدايتها مفهوم العولمة، ونتفاعل في المنظومة المُكتظة برياح الانفتاح على الثقافات والمجتمعات الأخرى، خصوصاً الغربية، إلا أنَّ قضية تعد من الثوابت الراسخة والعناوين المتجذرة التي لا يمكن تجاوزها أو المساس بحيثياتها كائناً ماكان، ونعني بها طريقة التعامل مع المرأة في ثقافتنا والمحافظة على رمزية قيم المروءة والغيرة والكرامة نحوها، إذ يجب أن لا توضع في أي موقف يمتهنها أو يحقرها أو يذلها أو يستفزها...، ويستمد ذلك من منهجية إسلامية وإنسانية لا يمكن أن تُزعزع المُتغيرات تلك الحقيقة.

و لا مجال للشك في أنَّ مسلمات صفات الرجل السعودي التي يفترض أنها مؤسسة على قيم التربية الإسلامية والأخلاق العربية الأصيلة، إذ لا يمكن فصل قيم المروءة والشيم العالية والغيرة على نسائه أو على كل امرأة في وطنه وبين واقعه ويقينياته، كما لا يُمكن لأحد بأي وجه أو شكل محاولة فَصْلِ تلك الشمائل والخصال العربية والإسلامية المرتكز على إطار غريزي مرجعيِّ منبثق من النسق الإسلامي الكُلِّي ورؤيته المكرِّمة للمرأة وحضورها الإنساني في الصورة الأكثر إلفاتاً في ثقافتنا.

و على الامتداد التاريخي منذ قبل الإسلام وحتى يومنا المعاصر، نجد تراثاً ضخماً نستقرئ فيه كم هو حافل بالشواهد التي جميعها تحمل مضامين المروءة العربية كثابت إنساني، إذ تدعو هذه المضامين وتوجه نحو كينونة إعزاز للمرأة، بحيث يكون مرفوضاً تماماً التعريض بها أو وضعها في معقل لا يتناسب بالمقام الذي خصها به الإسلام، وهذا واجب كل رجل مسلم حر أن يمارس ذلك عقيدةً وسلوكاً، حتى وإن كانت تلك المرأة ليست من أهل بيته أو ليست على مذهبه وطائفته.

مضمون مقالي هذا ليس من باب التعميم بقدر ما هو التفاته صارخة لسلوك غير مسؤول، بل ومُخجل ومنتهِك للخصوصية والكرامة، خاصة أنه صادر من أفراد ينتسبون لجهة من المفترض أنها قبل استلامها لزمام الأمور الوظيفية أقسمت القسم المعهود على الالتزام بالأمانة في أداء هذه المهنة والتعاطي مع الجمهور بحيادية وعدالة.

وما نلحظه منذ أن عُسْكِرت وطُّوِقَت منطقة القطيف شرق السعودية بنقاط التفتيش، ومسلسلات الاستفزاز مُستمرة ضد الأهالي، والمواقف التي تضمنت تعديات لفظية أو عنيفة منتهكة من إجراءات واستفزازات حدثت لبعض الأشخاص أفراداً أو عوائل لا يمكن حصرها في هذه المقام لكثرتها وتنوعها.

وهنا استميحكم عذراً أيها الأخوة، إذ لن أتناول في مقالي هذا التعديات التي تتعرضون لها، ليس تجاهلاً ولا استنقاصاً من شأنكم، لكنني خصصتُ هذا المقال لعرض بعض المواقف التي تمس خصوصية وكرامة المرأة سواء بحضور ولي أمرها معها أو ما تعرضت له وهي مع من يوصلها إلى عملها أو مكان تعليمها.

و تأتي كُبرى المصائب عندما يتجرع الرجل مرارة الموقف ويلتزم الهدوء والسكوت، ليس ضعفاً أو انعدام غيرة، لكن رجال القطيف يُدركون مدى مسؤوليتهم في المحافظة على عدم التصادم الذي قد يؤذي المنطقة بأكملها بتداعيات قد لا تُحمد عقباها.

وهنا تأتي مجموعة شواهد تتمثل في مواقف مقززة ومُغضِبة حدثت لنساء، وهي أمثلة من عشرات المواقف:

- حدثتني بعض الأخوات قائلة: «بينما كنتُ وزميلاتي الموظفات عائدات من دوامنا الليلي من مستشفى القطيف المركزي، أوقفنا العسكري في أحد نقاط التفتيش وكان السائق من أبناء البلد.. جرى حديث طويل بين السائق والعسكري، حيثُ قام العسكري بالتفوه بكلمات غير لائقة ضد المذهب والمتظاهرين، وكان مصراً أنَّ السائق له حضور في المسيرات التي تخرج في منطقة القطيف، رغم نفي السائق لذلك.. لم يترك مجالاً لخصوصيتنا كفتيات، إذ فتح باب الحافلة بشكل مفاجئ ودون أي إنذار.. تعجبنا من سلوكه وماذا عساه أن يفعل؟.. هل سيقوم بتفتيش المقاعد وإنزالنا من الحافلة؟، أم سيتبادل الحديث معنا ونحنُ فتيات!.. كان التصرف صادماً للجميع! »، وتمضي محدثتي في سردها لهذه الواقعة: «ترك الباب مشرعاً، ونادى السائق ليقف معه عند باب الحافلة، وقام بمحاورته وكأن من في السيارة لا حرمة لهم إذ تقصد في ترك الباب مفتوحاً. »

- تخبرني أخرى قائلة: "كنت متوجهة مع زوجي إلى مناسبة خاصة في منزل أحد الأقارب.. أوقفنا الضابط في إحدى نقاط التفتيش المكتظة بعدد مهول من السيارات، وكنت أُخبر زوجي أنهم لن يوقفونا لأننا عائلة ولابد من أنهم سيحترمون وجود امرأة في السيارة.. خاب توقعي وتم إيقافنا!، وما حدث لم يستوعبه عقلي، إذ طلب العسكري من زوجي النزول من السيارة وأخذ الإثبات منه، وتفاجأت من العسكري الآخر لمجيئه للباب الذي من جهتي، وقام بفتحه بشكل مخيف بقبضته الغليظة وكأنه يبحث عن شيء.. صرخت في وجهه دون شعور، فنلت نصيبي من السب قبل أن يقفل الباب ويتوجه لمقره.

- كانت إحدى الأمهات ذاهبة مع صغيرها لأحد المستشفيات الأهلية، وكان السائق أسيوي، وقد نسي استمارة السيارة في سكنه الخاص، تقول: "طلب العسكري من السائق أن يركن السيارة جانباً رغم علمه بوجودي وصغيري في السيارة وأن وجهتنا هي المستشفى، لكنه أصر أن يبقينا لمدة تجاوزت النصف ساعة، ثم حرر مخالفة للسائق لعدم حمله إستمارة.

- مواقف كثيرة تكررت ومعظمها ركز في أن العسكري يتعمد أن يخاطب السائق من جهة باب الراكب الأمامي الذي تكون فيه العائلة، وهذا مما يعد مؤشراً خطيراً.

- ولكن لعل من المواقف التي تبعث النفس على السخط والغضب هو أن أحد سائقي سيارة عائلة مروا في نقطة التفتيش، فطلب العسكري الرخصة والاستمارة، فناوله السائق الأسيوي الوثائق.. نظر العسكري شزراً في وجه السائق وسبه وشتم وعرض بالعائلة بكلام بذئ جداً.. لماذا كل ذلك؟!، فقط لأن هذا الأسيوي ناوله الوثائق باليد اليسرى التي كانت الأقرب إلى العسكري..

- الناشطة الأستاذة إنعام العصفور كان لها نصيب من هذه السلوكيات الفردية غير المسؤولة، وسوء التعامل مع المرأة التي كرمها الإسلام بمنزلة لا تُضاهى، فبعد طرح الأسئلة على سائق الأجرة والأستاذة العصفور.. طلب العسكري من السائق ركن السيارة جانباً متفوها بعبارات وبأسلوب تحدي وكأنه يشفي غليلاً قد ضاق بصدره، وبلهجته المحلية قال: «اسفط جنب».. «وربي لطلّع روحك وروح أبو اللي جابها»، وكم من المخجل أن يتفوه من هو من منسوبي جهة من المفترض أن تكون بوابة أمن المواطن والمقيم في أرجاء هذا الوطن بمثل هذه العبارات، وبمثل هذا السلوك الشائن والمهين في التعامل.

لم تتوانى العصفور عن القيام بما يمليه عليها عقلها الواعي وشخصيتها السويَّة والمُدركة لحجم هذا التعدي والاستنقاص المُتعمد، فترجلت من سيارة الأجرة التي كانت تُقلها قائلة: «ما هي مشكلتك، ولماذا تقوم بالسب وأنت ترتدي الزي العسكري.. أنت عندما ترتديه لا تمثل شخصك، بل بلادك.. لذلك احفظ لسانك.. »

فما كان من المسؤول إلا أن راح يقنعها بعدم تقديم أي شكوى متعللاً بأن هذا العسكري صغير لا يفهم.. السؤال المطروح هنا: هل توظف الدولة صغاراً غير مؤهلين في وظيفة يفترض في من يقوم بها أنه يتوفر ولو على الحد الأدنى من مهارات وفنونا لتعامل؟، وانتهى الموقف حينما أمره رئيسه كما أقنعه زملائه بتقيدم الاعتذار تفادياً لأي إجراء، كتقديم شكوى.

الكلمة المهمة هنا أن جميع العقلاء على يقين بأن هذه التصرفات والتعديات على خصوصية وكرامة المرأة لا يرتضيها رجل أو إنسان يحمل من الأخلاق الإسلامية والحميَّة العربية الأصيلة ومن المبادئ التي غرسها فينا ديننا الحنيف، كما أن من يحاول الإساءة لطائفة أو مذهب، مما يعد حرمة المساس بذلك من أول المسلمات، فرفقاً بنساء الوطن، فهن عماد وشمعة هذا الوطن.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.