آخر تحديث: 14 / 8 / 2020م - 8:53 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عالم ما بعد «كورونا»

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

هناك توقعات بأن تسود العالم، مرحلة من الكساد الاقتصادي الحاد، بما يمكن أن يتسبب في انهيار أنظمة سياسية عتيدة، واندلاع حروب إقليمية.

قبل حوالي ثلاثة أشهر من الآن، وقد مضى، في حينه قرابة شهرين على الإفصاح عن بروز فيروس كرونا، نشرنا مقالاً في هذه الصحيفة حمل عنوان: «كورونا ما بعده ليس كما قبله».

ومنذ ذلك الحين، بات الوباء جزءاً من حياتنا اليومية، خاصة بعد أن فرضت معظم الدول الحجر على مواطنيها، وشلت الحياة اليومية، وأغلقت معظم المحال أبوابها، وتعطلت أعمال البشر، كما تعطل الطيران، والقطارات والسيارات، ووسائل النقل الأخرى، وساد سكون غير مسبوق، ربما في التاريخ البشري بأسره.

والآن بعد قرابة خمسة أشهر، من انتشار «كورونا»، تدرك معظم دول العالم أن استمرار الحال من المحال.

ساد اعتقاد بأن المخاطر التي تنتج عن تعطل الحياة، هي أكثر بكثير مما يتسبب به الفيروس من أضرار مباشرة، على حياة الناس ومعاشهم، وعلى مستقبل البشرية بأسرها، خاصة بعد ما شهدت الأسواق المالية العالمية انهيارات كبرى بسبب الشلل الاقتصادي.

برزت نداءات التعايش مع كورونا تعم أرجاء الكرة الأرضية، بالعودة مجدداً للحياة العادية وتنشيط الماكينة الاقتصادية، من خلال فتح المحال التجارية، وعودة العمال إلى مصانعهم، والسماح لوسائل النقل الجوي والبري والبحري بمعاودة أنشطتها، مع التقيد بالضوابط الصحية المفروضة لمواجهة الفيروس.

اللافت أن هذه الإجراءات تأتي في وقت لا نشهد فيه تراجعاً لانتشار الوباء؛ بل في ظل تصاعد ملحوظ لأعداد المصابين به. لكن ما يبعث على التفاؤل، هو تزايد نسب أعداد المتعافين من الوباء في عدد كبير من الدول كالصين وألمانيا، وإيطاليا، وتركيا والسعودية، وعدد آخر من الدول، بما يعني أن من شأن الرعاية الصحية للمصابين بالوباء، أن تقلل من أعداد الموتى، وتضاعف حالات الشفاء منه.

مكمن الخوف هو من أن يتضاعف انتشار الوباء، بالوتيرة التي تصاعد بها في الأيام الأخيرة، حيث تجاوزت نسبة زيادة المصابين حوالي 40%. والخشية الأكبر هي من انتشار الوباء في القارة السمراء، حيث تقل الإمكانيات المادية والصحية للتصدي له.

وفي هذا السياق، تقدر بعض المصادر أن ذلك إن حدث لا سمح الله، فإن عدد المصابين بالوباء قد يتجاوز ربع مليار من البشر، ومئات الألوف من الموتى، وهو أمر يشي بمستقبل قاتم للبشرية جمعاء.

القرارات التي اتخذتها كثير من الدول، بإعادة تشغيل ماكينة العمل، وتنشيط الاقتصاد، ستسهم من غير شك، في معالجة بعض جوانب الأزمة الاقتصادية، لكنها لن تخلق حلولاً جذرية لها.

لقد تعطلت الحياة بشكل يكاد يكون كاملاً، لما يقرب من خمسة أشهر في معظم دول العالم، وتسبب ذلك في خسارة تريليونات من الدولارات. وأزمة كهذه ستلقي بظلال كثيفة على الأوضاع السياسية وتتسبب في انهيارات اجتماعية، وستعيد تشكيل الخريطة السياسية العالمية، على ضوء حقائق القوة الجديدة التي تفزرها نتائج الوباء.

الصين الشعبية تبدو الأسرع في التخلص من الوباء، حيث لم يتبق في مستشفياتها، سوى العشرات، مع أنها أول من اكتوى به. وتستثمر الحكومة الصينية، انشغال الدول الصناعية الأخرى، بمواجهة الوباء، للتسلل سريعاً إلى اقتصاداتها. وهناك تقارير متواترة تشير إلى أن الصين تعمل على شراء كل ما تقع عليه عينها، في أسواق المال والصناعة، لتكون هي مستقبلاً القوة الأولى في مجال الاقتصاد والصناعة.

وفي أمريكا تراجعت شعبية الرئيس ترامب بشكل كبير، بعد أن كانت جل المؤشرات تشي بفوزه بدورة رئاسية ثانية. الانتشار السريع لوباء كورونا في الولايات المتحدة، وأعداد المصابين الكبيرة التي بلغت قرابة ثلث إصابات العالم بأسره، وأيضاً التطورات الأخيرة التي نتجت عن التمييز العنصري بحق السود، تجعل حظوظ ترامب بالفوز مجدداً بالمقعد الرئاسي ضئيلة جداً.

هناك أيضاً تنبؤات بسقوط عدد من الحكومات في الدول الغربية التي عجزت عن مواجهة استفحال انتشار الوباء، واستبدالها بحكومات تمثل أحزاب الطبقة الوسطى. ويتزامن ذلك مع احتمال تصدع الاتحاد الأوروبي، بعد توجيه أصابع الاتهام من قبل عدد كبير، من الساسة بعجز مؤسسة بروكسل الاتحادية عن المشاركة في اتخاذ الحد الأدنى من التدابير، للحيلولة دون انتشار الوباء.

هناك أيضاً توقعات بأن تسود العالم مرحلة من الكساد الاقتصادي الحاد، بما يمكن أن يتسبب في انهيار أنظمة سياسية عتيدة، واندلاع حروب إقليمية، وانتشار مجاعات على مستوى القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وربما تشمل بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية، وإنْ بنسب أقل. وتبقى الاحتمالات قائمة بتصدع المؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية، والأيام القادمة حُبلى ببراكين وأعاصير.