آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 5:29 م

أغرقوا بناتكم حبا «2»

بدر شبيب الشبيب *

الحاجة إلى الحب أو الحاجة العاطفية - أي أن تُحِب وأن تُحَب - حاجة فطرية لا يخلو منها شخص. وكغيرها من الحاجات الأخرى المادية كالأكل والشرب والنكاح، والعقلية كالعلم والمعرفة والثقافة، والروحية من دعاء وصلاة وصيام؛ فإنها تبحث عن وسائل لتلبيتها. فالجوع العاطفي مثله مثل الجوع المادي، بل هو أعظم، في حاجته للإشباع. وغالبا ما يحدد كل مجتمع وفقا لثقافته بالمعنى الأعم الشامل للدين والعرف والعادات والتقاليد وسائل يراها مشروعة لتحقيق الأهداف المرجوة كالإشباع العاطفي. وبحسب نظرية عالم الاجتماع الأمريكي «روبرت ميرتون» المعروفة ب «نظرية الأنومي أو الاغتراب»، فإن هناك خمسة أنماط سلوكية يقوم بها الأفراد تجاه الأهداف المحددة اجتماعيا ووسائل تحقيقها المقبولة في نظر المجتمع:

• نمط الامتثال: تقبل الأهداف المحددة ثقافيا، وكذلك أساليب تحقيقها من قبل النظام الاجتماعي.

• نمط الطقوسية أو الروتينية: التخلي عن الأهداف مع الالتزام بطرق شبه قهرية بالأساليب المشروعة.

• نمط الابتداع أو الاختراع: تقبل الأهداف مع رفض الأساليب المشروعة.

• نمط الانسحابية أو الانعزال: الانسحاب عن كل المجتمع مع التخلي عن كل الأهداف.

• نمط التمرد: استبدال البناء الاجتماعي والثقافي القائم ببناء آخر يضم أهدافا وأساليب أخرى.

في مجتمعاتنا الإسلامية حُددت وسائل تحقيق الإشباع العاطفي عبر الأسرة ومناخاتها. فإذا فشل هذا الإطار في تحقيق المراد، فإننا نكون قد ساهمنا في إيجاد حرمان عاطفي قد يتم كبته فينتج عن ذلك شخصية مضطربة غير سوية، أو قد يتم إشباعه بطرق ملتوية.

لذا فإن من المهم جدا الالتفات إلى ضرورة توفير المناخ المناسب والملائم لتكثيف العواطف وإشاعة الحب الصادق بلا شروط في داخل الأسرة. ويزداد الأمر أهمية بالنسبة للبنات بحكم طبيعتهن النفسية التواقة للمشاعر والأحاسيس المتدفقة. ومع أن الإسلام يأمر بالعدل بين الأولاد ذكورهم وإناثهم في المعاملة، كما ورد عن رسول الله ﷺ: اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف. وعنه ﷺ أيضا: إن الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل. نقول: مع كل هذا فإن العدل لا يعني المساواة التامة، وإنما يعني إعطاء كل ذي حق حقه. ومما لا شك فيه أن حق البنت من العاطفة أكبر من حق الولد الذكر بشكل عام.

وفي دراسة أكاديمية ميدانية بعنوان «الحرمان العاطفي في الأسرة السعودية وعلاقتها بجرائم الإناث» وجد الدكتور محمد ابراهيم السيف من الدراسة الميدانية أن أسر النساء المحكوم عليهن بالسجن لارتكاب أفعال جنائية قد وضعت حدودا وقيودا عليهن، بحيث يصبح الحصول على الاستقرار العاطفي داخل الأسرة من الوالدين والأشقاء أو من الزواج أمراً غير ميسور لهن وعسير، وفي كثير من الأحيان قد يكون مستحيلا، فأصبحت الأسرة حاجزا أو كباب مفتوح لانحراف المرأة السعودية سواء أكانت بنتا تعيش في كنف الأب أو كانت زوجة تعيش في ظل الزوج. واتضح أن العامل العاطفي في جرائم الإناث يشكل ما نسبته 86، 8 % بينما نصيب العامل المادي 13، 2 %، وهذا مؤشر خطير بالفعل.

إن نظرتنا للأنثى وحاجاتها يجب أن تتغير، فالأنثى دورها أعظم مما نتصور، وقد تكون أعظم بركة في أحيان كثيرة من الولد الذكر. فنحن لا نستطيع في الواقع تشخيص من سيكون أكثر نفعا. يقول تعالى: ﴿آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا. وقد ورد عن الإمام الصادق في تفسير قوله تعالى: «فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً» قال: «أبدلهما الله به بنتا، ولدت سبعين نبيا». أي كان من نسلها سبعون نبيا.

جمعة مباركة.. دمتم بحب.. أحبكم جميعا.