آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 4:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل كلنا مبتلىً بالوسواس القهري حاليًا؟

عدنان أحمد الحاجي *

هل كلنا مبتلىً بالوسواس القهري حاليًا؟ المخاوف من الفيروسات التاجية تجعل الفصل بين الوسواس القهري والسلامة أمرًا صعبًا وسط هذه الجائحة الخطيرة
بقلم ديفيد روزنبرغ، برفسور طب نفسي في جامعة ولاية واين وديفيد رونبيرغ
15 يونيو 2020

المترجم: عدنان أحمد الحاجي
التصنيف: أبحاث كوفيد -19

Are we all OCD now? Coronavirus fears blur the line between obsessive-compulsive and safety amid a dangerous pandemic
Professor of Psychiatry and Neuroscience، Wayne State University and David Rosenberg 
June 15,2020

إحدى السمات المميزة لاضطراب الوسواس القهري [1]  هي المخاوف من التلوث وغسل اليدين المفرط. قبل سنوات، جاء مريض يعاني من اضطراب الوسواس القهري إلى عيادتي مرتديًا قفازات وكمامة ورفض الجلوس على أي من الكراسي ”الملوثة“. حاليًا، هذه السلوكيات نفسها مقبولة وحتى تُشجع للحفاظ على الجميع معافًا.

هذا الوضع الطبيعي الجديد في مواجهة جائحة مميتة قد تغلغلت في ثقافتنا وسيستمر هذا الوضع في التأثير عليها. العديد من المتاجر تضع الآن تعليمات بالقواعد على واجهاتها بشكل بارز، فارضةً لبس كمامات واستخدام معقمات يدوية وحادةً من عدد العملاء المسموح لهم بالدخول في وقت واحد. المشاة والعداؤون يعبرون الشارع بأدب لتجنب التقارب من بعضهم البعض.

قبل بضعة أشهر فقط، قد يُعتبر هذا النوع من السلوك وسواسًا وهذا وليس صحيًا بالتأكيد.

إذن، أين يضع الأطباء الخط الفاصل بين الاحتراز / الحذر لتجنب الإصابة بعدوى الفيروس التاجي وبين الوسواس القهري الذي يمكن أن يكون ضارًا؟

هذا سؤال مهم كثيرًا ما أسمعه أنا، كطبيب نفسي [2] ، وكذلك المؤلف المشارك معي في هذا المقال، روين شيريبوغا Roen Chiriboga، مدرب الصحة والوالدية.

تكيف أو إدمان إنترنت؟

منذ بداية الجائحة، أصبح من الصعب تقييم السلوكيات التي تُعتبر في السابق وسواسًا. العديد من السلوكيات التي سبق وإن اعتبرت مسببة لأمراض أصبحت ضرورية الآن لحماية صحة الإنسان ومستحسنة على أنها تكيفية وحاذقة.

قبل كوفيد-19، كانت المخاوف بشأن الاستخدام القهري للإنترنت أو إدمان الإنترنت، والتي تتسم بالاستخدام المفرط والاعتماد المفرط على الأجهزة الرقمية، تتزايد.

خلال الجائحة، مع ذلك، تكيف المجتمع مع فرص العمل عبر الإنترنت بسرعة. كلما كان ذلك ممكنًا، يعمل الناس من المنزل، ويحضرون دروس المدارس عبر الإنترنت ويتواصلون اجتماعيًا من خلال نوادي الكتاب عبر الإنترنت. حتى بعض احتياجات الرعاية الصحية يتم تلبيتها بشكل متزايد عن بعد من خلال الخدمات الصحية عن بعد والتطبيب عن بعد.

بين عشية وضحاها، أصبحت الاتصالات الرقمية أمرًا شائعًا [3] ، حيث يشعر الكثير منا بأنه محظوظ إذ يمتلك هذه الوسيلة. على غرار مخاوف التلوث، بعض السلوكيات الرقمية التي كانت مشكوكًا فيها ذات مرة أصبحت سلوكيات تكيفية تقوم بالمحافظة على صحتنا - ولكن ليست كلها.

هل هو وسواس قهري أم وقائي؟

في حين أن سلوكيات كوفيد-19 قد تبدو وكأنها اضطراب الوسواس القهري الإكلينيكي «للتعريف، راجع [4] »، هناك اختلافات رئيسية بين السلوكيات الوقائية في مواجهة خطر واضح وحاضر مثل الجائحة وبين التشخيص السريري للوسواس القهري.

إن الأفكار المتكررة والطقوسية، وهي الأفكار والسلوكيات التي نراها في اضطراب الوسواس القهري الإكلينيكي [4]  مضيّعة للوقت بالنسبة للأشخاص الذين يعانون منها، وتتداخل هذه الأفكار بشكل كبير مع العديد من المجالات المهمة في حياة الشخص نفسه، بما في ذلك العمل والمدرسة «التعليم» والتفاعلات الاجتماعية.

لدى بعض الناس سمات وسواس قهري أقل حدة. غالبًا ما تُلاحظ هذه السمات في الأشخاص ذوي الإنجازات العالية وهي ليست موهنة اكلينيكيًا. هكذا سلوكيات منطوية على ”التركيز على الوصول إلى نتيجة ايجابية نهائية“ معتمدة لدى حوالي 20٪ من المجموعة السكانية [5] . قد يُشار إلى الطاهي الموهوب الذي يهتم بالتفاصيل بأن لديه ”وسواس قهري“. وكذا يعتبر المهندس المهووس بالتفاصيل في تشييد جسر أو المحاسب المسؤول عن الضرائب الذي يدقق الملفات من زوايا مختلفة.

الفرق الحاسم هو أن الأفكار المستمرة والمتكررة والطقوسية التي نراها في أولئك الذين يعانون من الوسواس القهري الإكلينيكي غالبًا ما تستولي على حياة الشخص.

عندما يقوم معظمنا بالتحقق من الباب مرة أو مرتين للتأكد من أنه مقفل أو نغسل أيدينا أو نستخدم المعقم بعد الذهاب إلى البقالة أو الحمام، أدمغتنا ترسل لنا إشارة ”زوال الخطر“ وتقول لنا أن الانتقال إلى أشياء أخرى آمن.

الشخص الذي يعاني من اضطراب الوسواس القهري لا يحصل على إشارة ”زوال الخطر“ هذه أبدًا. ليس من غير المألوف أن يقضي الذي يعاني من اضطراب الوسواس القهري عدة ساعات يوميًا في غسل يديه [6]  لدرجة أن بشرته تتشقق وتنزف دمًا. بعض الناس الذين يعانون من الوسواس القهري لديهم طقوس التأكد من الأشياء هذه تمنعهم من مغادرة منازلهم.

أصبح تجنب مثيرات الوسواس القهري أمرًا صعبًا

نفس المبادئ التي تنطبق على سلوكيات غسل اليدين القهرية تنطبق أيضًا على الاستخدام القهري للإنترنت والأجهزة الإلكترونية. الاستخدام المفرط يمكن أن يتداخل مع العمل والمدرسة ويضر بالأداء الوظيفي النفسي والاجتماعي. إلى جانب المشاكل الاجتماعية والعائلية، يمكن أن تؤدي هذه السلوكيات إلى مشاكل طبية، بما في ذلك آلام الظهر والرقبة والسمنة وإجهاد العين.

توصي جمعية طب الأطفال الأمريكية ألاّ يقضي المراهقون أكثر من ساعتين في اليوم على الإنترنت أو الأجهزة الإلكترونية. بعض المراهقين الذين يعانون من إدمان الإنترنت يقضون ما يصل إلى 80-100 ساعة أسبوعيًا على الإنترنت، رافضين القيام بأي شيء آخر، بما في ذلك واجباتهم المدرسية وأنشطتهم الخارجية والتفاعل مع أسرهم. العالم الرقمي أصبح ثقبًا أسودًا يصعب بشكل متزايد الهروب منه.

بالنسبة لأولئك الذين يعانون من الاستخدام القهري للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن الطلبات الجديدة المتزايدة لاستخدام المنصات الرقمية للعمل والمدارس وتسوق مقاضي البقالة والأنشطة اللامنهجية يمكن أن تفتح الثقب الأسود بشكل أوسع.

الناس الذين قبل الجائحة يعانون من مخاوف من حدوث تلوث، أو الذين لم يتمكنوا في السابق من تنظيم استخدامهم للتكنولوجيا، يجدون الحالات المثيرة، التي يمكن تجنبها سابقًا، أصبحت منتشرة في كل مكان.

الحد من الاستجابة للتهديد

مع تطور المعايير السلوكية الجديدة بسبب الظروف الاجتماعية المتغيرة، فقد تتطور أيضًا الطريقة التي يتم بها تعريف ووصف سلوكيات معينة. قد تأخذ عبارات مثل ”الوسواس القهري“ أو ”مدمن على الإنترنت“ معانٍ مختلفة حيث يصبح غسل اليدين المتكرر والتواصل عبر الإنترنت شائعًا.

بالنسبة لأولئك منا الذين يتكيفون مع طبيعتنا الجديدة، من المهم أن ندرك أن اتباع الإرشادات الجديدة للتباعد الاجتماعي، وغسل اليدين وارتداء الكمامات أمرًا صحيًا، وأن قضاء وقت إضافي على الإنترنت أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي في وجود القيود الجديدة على التفاعلات الشخصية أصبح أمرًا مقبولًا. ولكن، إذا أصبح استخدام الإنترنت أو غسل اليدين أمرًا لا يمكن السيطرة عليه أو ”قهريًا“، أو إذا أصبحت الأفكار ”الهوسية“ الفضولية بخصوص المتعلقة بالنظافة والعدوى مشكلة، فقد حان الوقت أن تطلب المساعدة من أخصائي الصحة العقلية.