آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:57 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 27

بدر شبيب الشبيب *

في المسجد قال أحدهم: يا شيخ عندي مسألتان؛ مسألة عن الموت وأخرى عن المرأة. فعلق أحد المصلين: لا فرق، وضحك الآخرون.

وجاء في كتاب أخبار الحمقى والمغفلين، قال أبو العنبس: اجتزتُ في بعض الطريق لحاجة، فإذا امرأة عرضت لي فقالت: هل لك أن أزوجك جارية، فيجيئك منها ابن؟ قلت: نعم، قالت: وتدخله الكتَّاب فينصرف فيلعب فيصعد إلى السطح فيقع فيموت. «أي أنها كتبت سيناريو الفيلم كاملا، ولم تقف عند ذلك، بل تفاعلت مع النهاية المأساوية». يقول أبو العنبس: وصرخت ويلاه، ولطمت، ففزعت وقلت: هذه مجنونة، وهربت من بين يديها.

وفيه أيضا أن أعرابيا دعا بمكة لأمه، فقيل له: ما بال أبيك؟ قال: ذاك رجل يحتال لنفسه.

هذه بعض صور المرأة المترسخة في الذاكرة الثقافية الجمعية في مجتمعاتنا العربية الذكورية. وهي صور تطغى عليها النظرة السلبية للمرأة من كونها مخلوقا ضعيفا، وذا حيل شيطانية ماكرة، وأنها عبء كبير، وأنها وأنها....

وللدلالة على رسوخها وتجذرها يمكن الرجوع إلى تفسير قوله تعالى: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً» في تفسير جامع البيان المعروف بتفسير الطبري، حيث نقل آراءً عديدة آراء عديدة عن أن المقصود بالسفهاء هم النساء والصبيان، وأن النساء أسفه السفهاء كما عبر بعضهم. ولا أدري هل ما نعانيه من فساد مالي كبير سببه النساء أيضا أم الرجال الراشدون الذين يأكلون ولا يشبعون. أما القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: «إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً» فقد ذكر أن النحاس قال: وَالْعَرَب تُكَنِّي عَنْ الْمَرْأَة بِالنَّعْجَةِ وَالشَّاة؛ لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ السُّكُون وَالْمَعْجِزَة وَضَعْف الْجَانِب.

أما الزبيدي في تاج العروس، فإنه جعل الحذاء مرادفا للزوجة، فقال: الحذاء الزوجة لأنها موطوءة كالنعل.

هذه النظرة الذكورية المتعالية على المرأة لا يمكنها إلا أن تنتج أناسا يخجلون من ذكر أسماء أمهاتهم أو زوجاتهم أو بناتهم، ويعتبرون ذلك عيبا. في بطاقات الزواج مثلا يكتفى عن اسم العروس ب «كريمة فلان»، والداعي عقيلة فلان، أو أم فلان. بل إن البعض وللأسف إذا أراد أن يذكر امرأة، قال: أعزك الله أو تكرم.

وقد تصدى الدكتور عبد الله الغذامي في نقده الثقافي لكشف النسق الذكوري المضمر في النصوص الأدبية للجاحظ والمتنبي، وحتى الحداثيين كنزار قباني وأدونيس. وهو ما يعني تغلغل هذا النسق في نسيجنا الاجتماعي. فالشاعر المبدع فحل، بل حتى الشاعرة المبدعة تكون من فحول الشعراء، وتسلب أنثويتها. فهل نستغرب بعد هذا أن تتعرض المرأة للظلم واستلاب الحقوق؟ هل نستغرب من العنف الأسري الذكوري المستفحل على الإناث؟

إن نظرتنا للمرأة تحدد في الواقع مستقبل مجتمعنا كله. فإذا قمنا بصيانة حقوقها، وإعطائها المكانة التي تستحق، فإننا سننجح في خلق جيل جديد يستطيع التقدم للأمام بكل ثقة واطمئنان. ومن هنا فإننا بحاجة لمؤسسات نسائية فاعلة تقوم بإعادة صياغة النظرة الاجتماعية للمرأة، والتأسيس لثقافة تتجاوز النظرة الضيقة لها، وهي مهمة ليست باليسيرة، ولكن آثارها ستكون ذات مردودات إيجابية كبيرة.

في 7/2/2013 شاركت في المؤتمر الثامن لمنتدى الزهراء الثقافي، والذي كان عنوانه: الثقافة النفسية دراية بالنفس وتدبير للحياة. وهو مؤتمر نسائي يدعو للفخر بالطاقات النسائية التي تبحث عن مجالات الاستثمار الأفضل لها. في هذا المؤتمر كان الحضور كبيرا جدا على عكس ما يحدث عند الرجال في هكذا مناسبات. وهذا يدل على وعي كبير لدى القائمين على المؤتمر وعند الحاضرات، خصوصا وأن محور المؤتمر من المحاور التي يزهد فيها الكثير رغم أهميتها. وقد سبق أن تحدثت عن ذلك.

أخيرا أقول: إذا أردتم أن تنهضوا وينتعش مجتمعكم، فعليكم بالاستثمار في المرأة ومؤسساتها.

يقول الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ: « كلما رأيت امرأة، رأيت الحياة تسير على قدمين »