آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 8:33 ص

المثقف والمنظومة الأخلاقية

زكريا أبو سرير

صادفت الكثير من المثقفين وحملة الشهادات الأكاديمية العالية وبعض منتسبي العلوم الدينية ووجدت منهم ما يستحق التقدير والاحترام وما لا يستحق، بغض النظر عن مستوى خلفيتهم الثقافية وماهية منظومتهم الاعتقادية.

سر استحقاق مثقف ما دون غيره من الأوسمة التقديرية راجع إلى مدى التزامه بالقيم الأخلاقية. نعم هذا هو المعيار الأساس، إذ إن احتضان ثقافة ما في حقيبة واسعة قد تكون مليئة بكثير من العلوم والأدبيات والمعارف دون ثقافة الأخلاق لا تسوى شيئاً. فلو كنت تتجول مثلا بين أجمل أنهار العالم كنهر كانو يستالز ذي الألوان الخمسة في كولومبيا، الذي ربما يعد أجمل نهر على كوكب الأرض وبات يشبهه البعض بقوس قزح من فرط جماله، أو أن تكون على شاطئ جزيرة بورا بورا بولينيز الفرنسية أو شاطئ وايكيكي هاواي في ولاية هاواي الأمريكية، ولكنك تفتقر القدرة على الاستمتاع بجمال تلك الشواطئ والانهار، سوف يكون وجودك بينهم ناقصا، ان لم يكن معدوما، لأنك فاقد لعنصر المتعة والإحساس باللذة والجمال.

حال ذلك حال المثقف الذي تعب على تحصيل الكثير من المعارف والعلوم المختلفة، ولكنه يفتقر إلى عنصر الأخلاق الذي بدوره يصنع الجمال والذوق. ان الاكتفاء بملء العقل بالمعلومات والمعرفة دون إعطاء الجانب الأخلاقي أي اعتبار لا يجلب الاحترام والتقدير لصاحبه. من هذه الزاوية يلعب مفهوم الذكاء العاطفي، الذي يعني ببساطة، القدرة على فرز العواطف الذاتية وحسن استعمالها، او كما عرفه العالم الاجتماعي دانيال كولمان بأنه القدرة على التعرف على شعورنا الشخصي وشعور الآخرين... وإدارة عاطفتنا بشكل سليم في علاقتنا مع الآخرين، يلعب دورا مهما في العمل التجاري وحياة الاذكياء وأصحاب رؤوس الأموال، لكونه يمزج الى حد كبير بين المعرفة وبعض القيم الاخلاقية.

لهذا وظف هذا المفهوم في عالمنا المعاصر بشكل مكثف في الأعمال التجارية وعالم المال والأعمال، واكتشف لدى مراكز الدراسات المتخصصة في عالم المال والأعمال ان البون شاسعا في الأهداف الربحية ما قبل توظيف الذكاء العاطفي وما بعده. فاكتساب مثلا شريحة أكبر من الزبائن لا تتم عبر المعرفة بالمنتج وتسويقه بالطرق التقليدية فقط، وانما هو بحاجة الى مزيج من المعرفة بحاجات الزبون النفسية والذوقية مضافا الى العلم والمهارة والذكاء في العمل والتسويق واجادة سائر اركان العملية التجارية.

مما لا جدال فيه انه عندما تم دمج الذكاء العاطفي بعمليات التسويق أصبح بيع المنتج أسهل وأسرع ونسبة الارباح اكبر، واتضح كم هو الفارق الشاسع بين طرق البيع التقليدية والبيع الحديث، اي المدموج بالذكاء العاطفي، الذي من خلاله استطاع الباعة اليوم على علم مسبق بحاجات ورغبات ومشاعر العميل. وبهذه الطريقة حققت كبريات الشركات في العالم اليوم نجاحات هائلة في المبيعات والأرباح، وهذا تماما ينطبق على ذلك المثقف الذي استطاع ان يدمج المنظومة الأخلاقية بالمخزون المعرفي وغيره من المثقفين الذين اكتفوا بكنز المعرفة دون ان يكون للأخلاق اي اثر يذكر في الواقع الخارجي.

أعتقد أنه ليس من الحكمة أن يهتم المثقف بالبعد الثقافي والمعرفي دون ان يولي البعد الأخلاقي ادنى اهتمام في حياته العلمية والعملية، وهذا لا يعني - بطبيعة الحال - انني ادعوا الى التقليل من قيمة العلم والمعرفة، بل اني اعتبر العلم والاخلاق بمثابة الجناحين اللذين لا يمكن للعالم او المثقف ان يحلق دونهما. وتعزيزا لقيمة الاخلاق صدق نبينا الاكرم حينما وصف سر بعثته قائلا: «إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق».