آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 9:43 ص

الحب وتأثيراته النفسية والحياتية

زكريا أبو سرير

نقل لي أحد الأطباء الأعزاء والموقرين أصحاب الضمائر الحية كيف يتعامل مع مرضاه بلغة الحب ومدى تأثيره الإيجابي فيهم بدءاً من استقبالهم وتهيئتهم وانتهاءً بشعوره المميز اتجاههم، حيث أوضح تلك العلاقة مع مرضاه عند أول زيارة للعيادة حيث يبدأ بالتعرف عليهم مراعيا شعور كل فئة عمرية من المرضى.

بمعنى أوضح لو ان المريض كان طفلاً فبوصلة مشاعره تتجه نحوه إلى مشاعر أبوية خالصة، وإن كان المريض من كبار السن فشعوره يتحول إلى شعور الابن البار إلى والده، وإن كان شابا تصبح مشاعره أخوية خالصة، ويؤكد لي الطبيب العزيز أن تلك المشاعر المنبثقة من قلبه صادقة لا تصنعاً، وهذا التعامل مع هذه الأصناف وغيرها يسمى في المفهوم الحديث فن الاتيكيت وهو بالتأكيد نابع من الحب.

ويؤكد لي الطبيب العزيز من خلال هذه التجربة الناجحة ان مشاعره الانسانية الصادقة النابعة من قلبه تجاه مرضاه تشعره بالرضا والسعادة والارتياح النفسي، وكذلك تسهل عليه تفهم مشكلة المريض وكأنه قد نجح في عملية الاتصال الصحيح بينه وبين المريض، ومن جهة مهنية يشعر انه قد قطع المرحلة الأولى من مراحل العلاج، والسبب في ذلك مشاعر الحب التي أمطرها اتجاه ذلك المريض، وهذا هو دور الحب.

الحب له أنواع وله تعاريف ومفاهيم مختلفة ولكل حب تعريف ومفهوم خاص به كالحب الروحي والسايكولوجي والعاطفي والديني والنفسي وكل نوع من أنواع الحب ينحدر تحت تعريف معين يدلل على بوصلة معينة وله مشاعر وترجمة معينة وله كذلك دوافعه الرئيسة الذي يدفعه لذلك.

ولست بصدد التعريف بالحب وفق رؤية علمية أو نفسية أو روحية أو سايكولوجية أو حتى دينية، إذ يكفي أن أذكره بإيجاز، حيث أن هذا المفهوم مشترك مع كل أنواع الحب إنه شعاع صادق ينبثق من القلب أو انه الشعور بالانجذاب الكبير، والبحوث العلمية والنفسية التي تناولت مفاهيم الحب قد أغرقت المكتبات وبإمكان أي قارئ يحصل على ما يريد من تعاريف ومفاهيم علمية دقيقة عن الحب في أرفف تلك المكتبات.

ما أود التركيز عليه هو دور الحب وأهميته من واقع حياتنا ومدى تأثيره النفسي والروحي والحياتي والاجتماعي علينا، ولماذا الحب طرف أخير في حياتنا نلج اليه عند حاجتنا فقط، أو كأن ذائقة الحب عندنا قد تعطلت أو شلت أو لربما قد ماتت وقبرت واصبحت لا طعم لها في أنفسنا وقلوبنا، أو كأن بيننا وبين الحب مفترق طرق وعرة!! ام هناك شيء مانع يصعب علينا تفهمه او تحمله كمشقة الحب مثلا، أو عدم قدرتنا على توفير متطلبات الحب من عواطف واحاسيس حتى لو لمجرد تذوقه، أو هل هناك بالفعل عارض صحي أو نفسي أو اجتماعي يمنعنا من القرب منه ومصاحبته؟!

أم هو ميكروب بكتيري ضار على صحتنا ونفسياتنا وعلى قلوبنا وأحاسيسنا وأقوالنا وأفعالنا، أو هي حالة مرضية عدوانية نابعة من ثقافتنا المتصحرة بالشعور الروحي والبيئي القاسي، علما بأن الحب شيء فطري في الإنسان وقد ذكر في كتاب الله الكريم بما يقرب من 76 مرة.

وفي كل آية حب هناك تصور جمالي رائع عن الحب، فضلا عن الشعور بالارتياح النفسي والايقاع الموسيقى الذي يكاد يشعرنا أننا فوق السحاب من فيض السعادة القلبية.

إذن الحب ليس كائن غريب عنا بل هو كلمة الله ورسالته وهدف انبياءه وبإمكاننا أن نكون كذلك رسل الله للحب..

قد قرأنا عن تجربة قائد الحب والمحبة والسلام السيد مهاتير غاندي الذي جسد كل تلك المعاني الجميلة في كل أبعاد حياته الزاهدة، وكيف استطاع أن يحرر بلاده الهند من يد أكبر إمبراطورية استعمارية على وجه الأرض في ذلك الوقت بريطانيا، التي كانت تلقب بالامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لسعة المستعمرات التي كانت تحت قبضتها الحديدية عبر العالم،.

بأي سلاح واجه غاندي تلك القوى الغاشمة التي تربعت على صدر بلاده الهند ما يقرب من ثلاثمائة سنة سوداء؟ الجواب بكل بساطة كان سلاحه المميز والوحيد والفتاك هو الحب والتسامح والسلام بهم هزم تلك القوة العظمى الغاشمة.

إذن لا يمكن تأثير الحب على المرضى فحسب بل هو علاج لكل معضلة حياتية وهو شعاع صادق وباب من ابواب السعادة والنصر بل هو علاج وحل لكل مشكلة.

الحب اثبت ان له تأثير إيجابي على كل شيء، وعن طريقه تجد إشعاع السعادة على كل صعيد، وبالحب يمكنك أن نظفر بكل الهبات الإلهية التي وهبها الله لنا..

الحب طريق معبد بألطاف الله وعنايته الإلهية، وينبغي أن نتذكر أن الحب كلمة الله ورسالته ومشيئته وصناعته ومشروعه، وبالحب يحبك الله ومن أحبه الله ظفر بالسعادة في الدارين..

يبقى لنا سؤال مهم ينبغي طرحه مرارا وتكرارا وفي كل لحظة نعيشها: هل لنا من خيار ثانٍ نتعايش من خلاله مع بعضنا غير الحب؟