آخر تحديث: 3 / 12 / 2020م - 10:41 ص

عاشوراء الحسين بين الفضاء والأرض

زكريا أبو سرير

أحدثت جائحة كوفيد_19 متغيرات حياتية واقتصادية ودينية على المستوى العالمي والمحلي. ونحن نقترب من شهر محرم الحرام، ذكرى الملحمة الحسينية الخالدة التي وقعت في 61 للهجرة، حيث خصصت العشرة الأولى من الشهر الحرام لإحياء هذه الذكرى الأليمة والفاجعة الكبرى، التي سالت خلالها تلك الدماء الطاهرة من البيت الرسالة المحمدية ﷺ ظهيرة يوم العاشر من محرم الحرام، على يد طاغية زمانه يزيد بن معاوية، الذي حكم ثلاث سنين، وارتكب خلال هذه المدة الكثير من الجرائم.

وأمام هذه الفاجعة الإنسانية والذكرى الأليمة تفاجؤنا جائحة كورونا بمتغيراتها غير المتوقعة، حيث كان كل المسلمين الشيعة يحيون هذه المناسبة الدينية المقدسة كل عام بكل أريحية دون أي مشاكل تذكر، مع الاستعدادات والتجهيزات بما يلزم من مظاهر الإحياء كارتداء السواد، حيث تضفي هذه المناسبة حالة من الحزن الشديد تبرز معها المواساة لرسول الله وأهل بيته الأطهار في أبهى صورها، وهي أيام تشبه الحداد المنقطع النظير منذ فجر التاريخ الإسلامي وحتى وقتنا الراهن، حيث تتوقف كل مناسبات الأفراح الخاصة والعامة احتراما وإعظاما وإجلالا لهذه المناسبة الإنسانية والتاريخية المؤلمة.

حلت جائحة كورونا ضيفا مزعجا على هذ العام الهجري الجديد 1442 وعلى فعاليات عاشوراء بالخصوص، وفرضت واقعا مختلفا تماما عما كنا عليه في الأعوام السابقة، وهذا التغير غير المحسوب فرض واقعا حياتيا جديدا مما اضطر إلى إعادة التفكير في كيفية إحياء هذه

المناسبة العزيزة والمؤلمة على قلوبنا.

كورونا فايروس ذكي وخبيث وشرس وهو من أشد الأوبئة ضررا على الإنسان والبيئة والحياة في الوقت الحاضر.

هذا الفايروس الخبيث انتج تغيرا ولّد لدى الجمهور الشيعي عصفا ذهنيا نتج عنه اختلافات وتباينات في وجهات النظر وفي كيفية الإحياء لهذه المناسبة المقدسة والمباركة، حيث ذهب قسم منهم إلى إحياء المناسبة فضائيا عبر التلفزيون والانترنت، والمكث في المنازل تجنبا لعدم حدوث أي كارثة بشرية بسبب انتشار هذا الوباء، وقسم آخر فضل مواجهة هذا الوباء بإحيائها على الواقع مع ما يتطلب من الاحترازات الوقائية من هذا الوباء، بتشكيل فريق مدرب يقوم بعملية الإشراف الكامل على كل ما يلزم من احترازات وقائية وتباعد وتوفير المواد الاحترازية ومراقبة الوضع بشكل مشدد ودقيق مع وضع خطة بما يتناسب مع حجم المكان والطاقم التنظيمي والإشرافي خلال وقت إحياء المراسيم، مراعين في ذلك أهمية تقليل وقت المكوث في أماكن الإحياء.

ومع وجود دعم شرعي وديني لكلا وجهتي النظر المحترمتين، نجد هذه الخلافات ماتزال طاغية على الساحة الاجتماعية بشكل سلبي ومؤسف. وهذا لا يعني - من حيث الأصل - اعتراضنا على وجود الاختلافات الفكرية التي ننظر لها بإيجابية، بل ولو لم تكن موجودة لأوجدناها لضرورتها.

إن وجود اختلافات فكرية يعد بحد ذاته مؤشرا إيجابيا على وعي المجتمع ونضجه الفكري، ولكن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلافات الفكرية والدينية بل في عدم قدرتنا على إدارة هذه الخلافات. فبالرغم من التجارب الكثيرة التي مرت علينا، إلا أننا ما زلنا في المربع الصفر بحيث لم نستوعب ولم نستفد من تلك التجارب المختلفة ومن استيعاب مفهوم إدارة الخلافات.

من هنا يأتي السؤال، ما المانع من تطبيق القناعتين، بحيث يعمل كل وفق قناعاته وميوله الفكرية والدينية والثقافية، دون هرج ومرج وخدش في الآخر والتعرض لرموز كل طرف بسبب هذا التباين الفكري الطبيعي.

إن شهر عاشوراء الإمام الحسين يجمعنا ولا يفرقنا، هذا شعارنا في كل عام، وهو شعار في منتهى الروعة والعقلانية، فاعطوا هذا الشعار الجميل والرائع فرصة حقيقية لكي يقوم بدوره حسب ما ينبغي، ولا يكن عندنا مهارة في صناعة الشعارات البراقة دون القدرة على تطبيقها على ارض الواقع. إن وجود شعار ذا مغزى روحي وإنساني لهو أمر جيد ورائع يساعد على دفع المسيرة السلمية للأمام وينبغي المحافظة عليه.

نسأل الله أن نرى شعاراتنا الدينية والمقدسة والمباركة هي من تقودنا إلى طريق السلام والأمان، وتخلق حالة تعاون بين الفئات المختلفة حيث تصبح هذه الشعارات المقدسة انطلاقة إلى صناعة مهارات تفكيرية تنم عن المستوى العالي من التعقل والإدراك، وعن ثقافة حسينية تحمل قناعات إيمانية صادقة بقضيتها ومعتقدها.