آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 8:33 ص

العمل التطوعي في ظل الأجواء الحسينية

زكريا أبو سرير

منذ أن وعينا وتفتحت أعيننا على هذه الدنيا ونحن نرى فئة أو شريحة معينة من أبناء المجتمع تقوم بخدمات اجتماعية ودينية تطوعية دون أي مردود مادي يذكر، سوى الطمع في كسب الثواب والأجر من رب العباد ومساعدة أبناء مجتمعهم ورسم البسمة على وجهوهم.

إن هذه الفئة من المتطوعين تطبق مفهوم العمل التطوعي المعني بالخدمة الاجتماعية والدينية رغم انها لم تقرأ كتابا واحدا عن مفهوم الخدمة الاجتماعية أو الدينية أو التطوعية، إلا أن هذا الشعور والمفهوم في الخدمة التطوعية مترسخ في وجدانهم ونابع من أصالة تربوية، وكل مبادراتهم ناتجة من دوافع إنسانية بحتة بالدرجة الأولى، والعجيب ان تقديم هذه الخدمات الاجتماعية والدينية يتسم غالبا بالجودة والسبق في المنافسة للحصول على القيام بذلك الأعمال التطوعية أين كان نوعها وطبيعتها.

الإنسان بطبيعة الحال لا يولد وهو معبأ أو مبرمج بخيارات معينة. إنما تتكون لديه ثقافة تراكمية منذ الولادة، حيث يكتسب تلك الثقافة بالتدريج كاللغة واللهجة والعادات والتقاليد دون أي جبر أو أي تأثير نفسي عليه، ولأنه في حالة نمو دائم فمن الطبيعي أن تتشكل شخصيته وخلفيته الثقافية من مجموع عوامل النشأة التراكمية والمكتسبة.

تميزت المجتمعات الإسلامية الشيعية بكثرة مناسباتها الدينية والثقافية المتنوعة، وإحياء هذه المناسبات نابع من معتقد ديني تؤمن به وتجله، وبالرغم من أن معظم تلك الشعائر الدينية مصنفة ضمن المباحات في الفقه الاسلامي وليست من الواجبات، إلا أن هذه المجتمعات تعتبرها جزءا من هويتها الأصلية وتحرص على المحافظة عليها، وهذه الهوية الدينية والإسلامية والاجتماعية تعتبر جزءا من الهوية الوطنية، وفقا للمفكر والكاتب اللبناني أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة.

وإن هذا العمل التطوعي المصاحب للشعائر الحسينية يعدّ مظهرا من مظاهر حفظ الموروث الديني والثقافي الذي توارثته جيلا بعد جيل وفق آلية شبه منظمة ومضبطة إلى حدا كبير. هذا الموروث الديني والعقدي مر بصعوبات ومواقف مؤلمة وقاسية على مر التاريخ، جزء منها صادر من السلطات التي عاصروها، والجزء الآخر يتمثل في المضايقات الصادرة من بعض الجهات الأخرى المعارضة لها في الرأي والمعتقد.

لا شك ان المحافظة على هذا الموروث جيلا بعد جيل لم يمر بسهولة ابدا وإنما كلّف الغالي والرخيص بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، بحيث يصعب تصور تلك الصعاب، وكتاب التاريخ الإسلامي دروس وعبر لسماحة اية الله السيد تقي المدرسي يبين فيه جوانب من هذه الصعوبات والتضحيات التي مرت بها تلك الأجيال السابقة الموالية جراء انتمائها المذهبي وتمسكها بقيمها ومبادئها.

إن هذه المناسبات الدينية والاجتماعية المتنوعة شكلت مخزونا خطابيا دينيا وثقافيا متنوعا، حافلا بالتوجيهات والدروس والمواعظ والمعاني الإنسانية النبيلة في الأخلاق والكرم والإيثار وبذل كل ما يستطيع الشخص بذله في خدمة مجتمعه ودينه ووطنه.

هذه التربية التعبئوية الفكرية والدينية والثقافية المنبرية الحسينية التي تغذى عليها أتباع أهل البيت هي الشريان الرئيسي لهذا العمل التطوعي، حيث مازالت تقوم بنفس الدور ونفس الزخم المعرفي والتربوي، الذي بدوره يؤثر بلا شك على العقل الباطني وينتج عنه وعي مميز وشحذ همم مميزة.

إن العطاء الذي تقدمه المنابر الحسينية الطاهرة، وما يختزنه المجتمع من التطلعات والزخم العالي من الطبيعي أن يفرز ذلك إنسانا متميزا ومنتجا، وخاصة إذا دعمت هذه الثقافة بربطها بالأجر والثواب ورضا الله سبحانه وتعالى وهذا يزيد في ذلك تأصيلا أقوى.

إن الثقافة الحسينية والمنبر الحسيني لهما فضل كبير على المجتمعات الإسلامية الشيعية. حيث يعتبر المنبر الحسيني المعلم والمؤثر الأول ومازال، وهذا التأثير التربوي والثقافي الحسيني ينتج إنسانا صاحب هموم وتطلعات، واحدة منها من تلك الهموم الحياتية تتمثل في اسعاد الآخرين، دون أي مقابل مادي أو معنوي ودون الركض وراء الشهرة او الأضواء أو الفلاشات الإعلامية أو الاجتماعية، وإنما طمعه الوحيد يكمن في نيل رضا الله سبحانه وتعالى والتقرب منه.

من هنا فليس غريبا أن نسمع عن شخص ممن تربوا تحت المنبر الحسيني يقوم بالتبرع براتبه الشهري كاملا وسنويا منذ أكثر من ثلاثين عاما وما زال عطاءه المبارك مستمرا، يقدمه باسم الإمام الحسين مع بدء حلول هلال شهر محرم الحرام وعندما يسأله أبناؤه من أين نأكل ونشرب طوال الشهر كان جوابه لهم من سفرة الإمام الحسين .

كما انه ليس غريبا ايضا أن نرى ونسمع أن أصحاب الرتب العلمية العالية والمناصب الرفيعة يتسابقون للخدمة في مجالس الإمام الحسين في عشرة محرم الحرام، موطنين أنفسهم إلى أبعد حد لأي نوع من الخدمات التي توكل لهم حتى ولو كانت تنظيف ومسح دورات المياه، وهذا العمل أو الخدمة تشعرهم بالفخر والشرف الكبير، لأنهم وفقوا في خدمة مجالس أبي عبدالله الحسين .

ولم تكتفي السفرة الحسينية بتقديم الطعام بل أتاحت خدمات تطوعية اخرى غير المال والخدمة والوقت، بل خدمات إنسانية لا تقل أهمية عن غيرها من الخدمات المذكورة، حيث اصبح الموسم العاشورئي مركز لتأسيس المشاريع الاجتماعية والإنسانية، ومن تلك المشاريع مشروع حملات التبرع بالدم باسم الإمام الحسين لدعم بنوك الدم للقطاع الصحي العام والخاص، فضلا عن توزيع الكتب الثقافية والتوعوية والقيام بالدورات الثقافية والفنية والكشف الطبي العام وكله ذلك يقدم مجانا دون أي مقابل مادي أو معنوي، ولكنه باسم الإمام الحسين .

بل الأعجب من ذلك أن نرى النفوس الشح في الموسم العاشورئي تصبح نفوسا شبه ملائكية، بسبب تعلق الجميع بالأجواء الحسيني فحتى المناكفات الشخصية والاجتماعية تخمد براكينها احتراما لهذه المناسبة المباركة.

أي سحر هذا يا حسين الذي حقنته فيه دماء محبيك أيها الإمام الشهيد الخالد، السلام عليك أبا عبدالله يا حسين بن علي يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا، ووفقنا الله وإياكم لخدمة مجالس الإمام الحسين أرضا وفضاء.