آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:36 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 28

بدر شبيب الشبيب *

هل سمعتم بمعاذة العنبرية؟ هذه امرأة ذكرها الجاحظ في كتابه «البخلاء» كنموذج للبخل. والجاحظ ككاتب مبدع بلا شك، يمتلك قدرة عجيبة على تخير موضوعات غريبة، يقول عنها أحمد أمين: لا أظن أنها كانت مطروقة قبل الجاحظ فهو يؤلف في اللصوص وحيل لصوص النهار وحيل سراق الليل، ويؤلف في التجار وفي العبيد وفي الإماء، وما إلى ذلك من موضوعات لا تخطر على بال أديب في عصره.

نعود لمعاذة العنبرية التي جعل منها الجاحظ نموذجا للشح، بينما كان يفترض أن تكون نموذجا فريدا للاقتصاد ومعرفة الحقوق، خصوصا في زمن الفساد المالي المستشري والذمم الواسعة وهدر الثروات العامة. يروي الجاحظ على لسان شيخ من البخلاء قوله: لَم أرَ في وضع الأمور في مواضعها وفي تَوفيَتِها غايةَ حُقوقِها، كمُعاذةَ العنبرية. قالوا: وما شأنُ معاذةُ هذه؟ قال: أهدَى إليها العام «أي العام الماضي»، ابنُ عَمٍّ لها أُضحية، فرأيَتُها كئيبةً حزينة مُفَكِّرة مُطرِقة. فقلت لها: مالك يا معاذة؟ قالت: أنا امرأةٌ أرملة وليس لي قَيِّم «أي زوجٌ يقومُ بأمرِها»، ولا عَهدَ لي بِتَدبيرِ لَحمِ الأضاحي، وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه، وقد خفت أنْ يضيعَ بَعضُ هذه الشاة، ولَستُ أعرف وَضعَ جَميعِ أجزائِها في أماكِنها؛ وقد عَلِمتُ أنَّ الله لَم يَخلِقْ فيها ولا في غَيرِها شيئاً لا مَنفَعةَ فيه. ولكن المرءَ يعجَزُ لا محالة، ولَستُ أخافُ مِن تَضييعِ القَليلِ إلا أنَّهُ يَجُرُّ إلى تضييعِ الكثير.

تعليق: من يتأمل في كلامها يعرف أنها امرأة ذات عقل راجح، ترى في خلق كل شيء منفعة، وأن هدر القليل باب لاستنزاف الكثير. لا أدري أين البخل في هذا؟

ثم أخذت معاذة - بحسب رواية الشيخ - تفصل في استخدامات كل شيء من قرن الشاة إلى بعرها أي فضلاتها، مرورا بالمصران والعظام والجلد والصوف وغيرها. تقول معاذة: وأما الفَرثُ والبَعرُ فَحَطبٌ إذا جُفِّفَ عَجيب. ولم يهدأ لمعاذة بال وتنطلق ابتسامتها إلا بعد أن اهتدت إلى طريقة مبتكرة للانتفاع بالدم، فشعرت أنها وفَّت الشاة حقوقها كاملة.

لو كانت معاذة عند غير العرب الذين يبذرون ثرواتهم ولا يكترثون بحقوق الإنسان فضلا عن حقوق الحيوان، لأصبحت أيقونة من الأيقونات الاقتصادية، ولكن حظها العاثر أوقعها في يد الجاحظ الذي ظلمها وبخسها حقها.

نحن اليوم بحاجة ماسة إلى مؤسسات منعشة تهتم بالجانب الحقوقي لكل شيء دون الاكتفاء بالعناوين الكبرى فقط، فالاهتمام بالتفاصيل كما ذكرنا سمة حضارية. فمثلا تحت عنوان حقوق الإنسان نحتاج لمؤسسات تهتم كل منها بعنوان فرعي، كحقوق الطفل، حقوق المرأة، حقوق العمال، حقوق المريض، حقوق السجناء والمعتقلين، حقوق الأقليات، حقوق الأجيال القادمة، حقوق الأرض والبيئة، حقوق المستهلكين، وهكذا.. بالمناسبة جاء في جريدة الحياة في 13/2/2013 ما يلي: أظهرت استبانة «صادمة» لجمعية حماية المستهلك في السعودية، أن 96 في المئة من السعوديين لا يعرفون حقوقهم وواجباتهم، أو يريدون المزيد من المعرفة بصفتهم مستهلكين، فيما اعتبر اقتصاديون النتيجة أمراً متوقعاً في ظل عدم وجود ثقافة وتوعية لدى العامة بالحقوق والواجبات التي تجب عليهم معرفتها، التي تندرج تحت مفهوم «الثقافة الاستهلاكية»، مشيرين إلى أن هذا الأمر مسؤولية وزارتي التجارة والتربية.

ولكي لا نبخس العاملين في هذا المجال حقهم أود أن أشيد بتجربتين جديدتين في مجتمعنا. الأولى تجربة مركز العدالة لحقوق الإنسان الذي تأسس في 10/12/2011 م، واتخذ من «العمل على تحقيق احترام حقوق الإنسان وتعزيز قيم العدالة والحرية والمساواة من خلال برامج التوعية العامة والدفاع عن ضحايا الانتهاكات» رسالة له، كما يطمح أن يكون مؤسسة حقوقية رائدة على مستوى الوطن كله. وبرغم الصعوبات الجمة والمعوقات الصعبة التي تعرقل سير هذا العمل، إلا أن القائمين على المركز استطاعوا بجهودهم المضنية - مع كونهم غير متفرغين - من إنجاز الكثير من نشر الوعي الحقوقي والدفاع عن قضايا المعتقلين.

التجربة الثانية، وهي حديثة وشبابية أيضا، تهتم بحقوق أخرى، وتحمل ملفات وهموما مختلفة هامة، كملف المطالبة بمدينة جامعية في القطيف، وملف القصور في الخدمات الطبية، وملف الأراضي والإسكان، وملف وقف تدمير المقدرات البيئية، وغيرها.

هاتان التجربتان وغيرهما من التجارب المؤسساتية المنعشة تستحقان من الجميع الدعم والتأييد والمتابعة، حتى نتحول بالفعل إلى مجتمع حاضن ومنعش.