آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 12:46 م

مدرسة بلا حقيبة أو طابور!

بعد إجازة الصيف الطويلة، لابد أن حلم كثير من الصغار وتوقهم للعودة لمبنى المدرسة حلمٌ أكبر من حلم فرار السجين المقيد من زنزانته الصغيرة. وفي الظروف العادية كنت سوف ترى الأبناء والآباء والأمهات في هذه الأيام يترقبون بدأ الصف الدراسي الجديد، فتزدهر سوق الملابس والقرطاسيات والبحث عن مواصلات وغيرها، وكل هذا الآن رهنٌ للزمن متى يعود وكيف يعود؟

أنا من جيلٍ لم يفته حضور المدرسة - المبنى - نعم المبنى، لأن فيه أصدقائي وزملائي وفيه أقمتُ أول صداقة دامت حتى الآن مع صبي آخر غير أخي. وفي فنائها وقفتُ في طابور الصباح وتزاحمت مع أصدقائي على باب دكانها الصغير، وتعلمت ركلَ الكرة وأن أكون جزءً وفردًا من فريق يتشكل في فناء المدرسة ويتمدد في الحواري وحتى حدود القرية أو الجزيرة التي كنت فيها!

وفي هذا المبنى تعلمت أول تجارب الكيمياء والفيزياء البسيطة فردًا وجماعة. وهي التي كانت جذوة أشعلت حماسي وحماس أبناء جيلي ومن بعدنا ليطرقوا أبواب كل التخصصات العلمية والطبية والعملية.

والأهم من هذا أن في هذه المدرسة كان لي أب ووالد ثانٍ كنت أسميه ”الأستاذ“. فهو لم يكن رجلًا فقط يملك العصا والصوت الغليظ بل كان يملك قلبًا أرق وأنعم من الحرير. وإلا فمن يستطيع الصبر على طفلٍ يزعق هنا وطفل ينط هناك؟ جزمًا لم يكن ما يغري استاذي المال والراتب الشهري، وكان هذا المعلم القدوة الأولى التي كنت أمشي على خطاها داخل المبنى وخارجها، فلم أشأ أن أخيبه في سلوكٍ أو علم.

كل هذا وأكثر كان هذا المبنى يعني لنا، وليس فقط كتبًا كنا نقرأ منها وأقلامًا نكتب بها، بل كان في المدرسة رائحة الإنسان الذي سوف نتعامل معه يومًا ما بعد انتهاء المدرسة، وهذه العينة الصغيرة التي تحويها المدرسة والصف هو جزءٌ وعينة من المجتمع الكبير الذي سوف ننتشر فيه ونتعامل معه أحببنا أم كرهنا!

هذا ما قدمه المبنى الاسمنتي لي من خدمة منذ الصفوف الأولى وحتى آخر يوم من الدراسة، وكل الرجاء أن تعود الأيام كما كانت وتعود الطلاب لصفوفها الحقيقية، ومع أن في عودتهم تزدحم الشوارع بالصبية والصبيات والسيارات، لكنها من أفضل الزحمات التي تعطينا دلالة على أننا بخيرٍ ما دام الصغار في المدارس.

لولا ما اقتضه الضرورة من إبعاد الطلاب عن هذا المبنى واستحداث نماذج وبدائل من التعليم وإلا فصورة هذه المدرسة ومبناها وازدحامها وتجربتها الانسانية من الصعب أن يستعيض الطلاب عنها بالجلوس في غرفة المنزل وطقطقة الأصابع فوق لوح جهاز الحاسوب الآلي! إذ كل وسيلة تعليم لا تعين الانسان وتدفعه نحو الأنسنة ومعرفة الآخر تبقى ناقصة مهما كانت نتائجها العلمية والعملية.

مستشار أعلى هندسة بترول