آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 9:43 ص

«لا» الحسين ليست كأي «لا»

زكريا أبو سرير

إن كلمة «لا» هي عبارة عن انتفاضة من الأعماق لها صدى في النفس والعقل لا يزول بمجرد لفظها. وكلمة «لا» تعني تمثل إنذارا ورسالة ما، كما تعني الرفض والتغيير وفرض واقع مختلف.

إن كلمة «لا» لها مدلول وتحليل ومعنى وتفسير. فما أن نسمع إيقاعها إلا ويستحضر معها دعوة للعقل للتفكير لكشف أسرارها. كلمة «لا» ليست نفيا لشيء ما فقط وإنما كذلك إثبات شيء آخر.

كلمة «لا» منطق القرآن والتوراة والإنجيل، ورسالة الأنبياء والمرسلين والأئمة الأطهار ، تنزلتها السماء إلى الأرض، فهي عين الإقرار بوحدانية الله وكلمته العليا... كلمة «لا» هي النفي والإثبات، نفي كل إله وإثبات وحدانية الله، لا إله إلا الله.

هذا هو مشروع الإمام الحسين . وهذا سبب خروجه من مدينة جده المصطفى ﷺ إلى أرض كربلاء لكي يلقى مصرعه الشريف فيها لأجل البقاء على توحيد الله وبقاء دين جده الأكرم ﷺ.

هل اتضح الآن أن «لا» الحسين ليست كأي «لا»؟ إنها كلمة الله ورسالة أنبياءه، هي صرخة موسى وعيسى ومحمد، ولا يمكن أن يساوم سيد الشهداء على رسالة أنبياء الله مقابل رسالة طواغيت أرضه؛ فرعون ونمرود وأبي جهل ويزيد.

إن فلسفة «لا» الحسين هي خزين المضامين الإلهية التي ضحى لأجلها بكل غالٍ ونفيس، وما كان عنده أغلى من روحه الطاهرة وأرواح أولاده وأصحابه وحرمة نساءه وأطفاله وأصحابه يقدمهم في سبيل الله.

كثيرا ما بتكرر السؤال العبثي المتعلق بأسباب استمرار إحياء عاشوراء الإمام الحسين منذ ألف وأربعمائة عام، والجواب؛ لأن الإمام انتفض لمشروع الله سبحانه وتعالى في مقابل مشروع عدو الله، ولأجل حماية قيم الله وإحياء مبادئه أمام مبادئ الشيطان وأعوانه، ولأجل تحقيق عدالة الله بعد ضياعها، فإحياء ذكر الإمام الحسين هو في الحقيقة إحياء لمعاني وقيم الله ورسالات أنبيائه الكرام.

هذا السؤال الاحتجاجي على إحياء ذكرى فاجعة كربلاء، كل عام بعد هذه المدة الزمنية الطويلة، لا يخلو سائله من معاندة فكرية، خاصة في ظل وضوح دوافع ثورة الإمام الحسين . أما إذا كان السؤال نفسه نابعا من رغبة في التأمل والتفكر والتدبر لأجل التغيير والتجديد ولأجل اكتشاف قراءة حسينية متغيرة فهذا أمر مطلوب في كل عام وفي كل وحين.

إن «لا» الحسين هي نقطة التحول من الظلام إلى النور، وهي مشروع السماء الدائم والمستمر حتى الساعة، إنها مشروع إصلاح الأرض وإعمارها بعد خرابها، لهذا ينبغي علينا، بل من الواجب علينا الاهتمام بهذه المناسبة وإحيائها بالشكل اللائق بها، وذلك للتذكير بالعدالة الإلهية في الأرض وبين عباده.

«لا» الحسين هي الحرية التي أرادها الله لعباده، وهي روح الإنسانية التي يبتغيها الله لعباده، إنها كلمة الحق التي حرمت على المظلومين والمضطهدين، وهي نور الله الذي كانوا يريدون أن يطفئوه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وهي الماضي والحاضر والمستقبل منذ دوّت صرخته ”لَا وَاللهِ لَا أُعطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيل، وَلَا أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ العَبِيد“.