آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 8:50 م

العقيلة زينب في كربلاء!!!

زكريا أبو سرير

عندما نتذكر مولاتنا السيدة زينب ، يبدأ مباشرة العرض التاريخي والديني والرسالي لسيرة هذه المرأة العظيمة في أذهاننا وكأنها مشاهد للتو حدثت فتنساب من الذاكرة كالنهر الجاري.

ومن قرأ الشخصية الزينبية قراءة موضوعية، يكتشف أن هذه المرأة منذ ولادتها المباركة، كانت على أهبة الاستعداد لمهمات صعبة ولتحمل أدوار يشق على أي إنسان أن يتحملها، فضلا عن كونها امرأة لها ما لها، من تحمل وطاقة وصبر ومسؤوليات متنوعة، ولكنها اختيرت بعناية فائقة لكي تمثل هذه الأدوار الرسالية الإلهية.

تروي كتب السيرة، أن النبي ﷺ حين علم بنبأ قدوم هذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته وهو حزين النفس، فأخذها والدموع الطاهرة تهطل على وجهه الكريم، وضمها إلى صدره الشريف وجعل يوسعها تقبيلا، فبهرت سيدة النساء فاطمة الزهراء من بكاء أبيها، فانبرت قائلة ما يبكيك يا أبتي، لا أبكى الله عيناك.

فأجابها بصوت خافت حزين النبرات يا فاطمة اعلمي أن هذه البنت بعدي وبعدك سوف تصب عليها المصائب والرزايا، وهذه إخبارية من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، تشير إلى أن حياة حفيدته تسير وفق مخطط إلهى.

بل وحتى اسمها المبارك كان منزلا ومختارا من السبع السموات، فقد اختار الله لها هذا الاسم، حين هبط رسول السماء جبرائيل على النبي الأكرم محمد ﷺ فقال له سمّ هذه المولودة «زينب» فقد اختار الله لها هذا الاسم، وأخبره بما تعانيه حفيدته من أهوال الخطوب والكوارث، فغرق هو وأهل البيت في البكاء.

وبعد هذه الرواية التي تشير إلى أهمية هذه المولودة المباركة حيث كانت محفوفة من السماء ومن رسول السماء ومن خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ وأهله بيته الأطهار ، يفهم من ذلك قطعيا أنها تُعد لدور رسالي مهم، يحتاج كل هذا الاهتمام وكل هذه المؤهلات، لكي تكون على جهوزية تامة لتصبح شريكة في تحمل عبء الرسالة المحمدية وإدارتها.

ومن الواضح لدى كل دارس للقضية الحسينية، أن دور العقيلة لا يتحمله شخص عادي سواء كان رجلا أو امرأة، ولأجل القيام بهذا الدور الكربلائي تم اعدادها بالخصوص.

وما يؤكد هذه الرؤية مقولة وشهادة الإمام علي بن الحسين زين العابدين لعمته الحوراء زينب : ”أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة“، وهذه شهادة واضحة من إمام معصوم لا يجامل في مسألة الوصف والتوصيف لأي أحد مهما كانت مرتبته أو مكانته عنده، لأن الكلمة الذي تنطلق من لسان المعصوم هي مسؤولية كبرى عند الله سبحانه وتعالى، وحساباتها حسابات إلهية ودقيقة.

يذكر أن سماحة الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي يرى أن السيدة زينب قد تحملت لفترة معينة عبء الإمامة، أثناء مرض ابن أخيها الإمام زين العابدين ، وهذا يشير أن السيدة زينب على ما كانت عليه من الآلام التي لا يتصورها أحد، مع فقد أحبتها وأبنائها الثلاثة، وما شاهدته من مشاهد فضيعة وقاسية لا تتحمله الجبال الرواسي، وبرغم ذلك أضيف على عاتقها أعباء الرسالة المحمدية كاملة، فوجه الإمام زين العابدين الجميع بأن يكونوا تحت إمرة عمته عقيلة الطالبين زينب ، وهذا ما يؤكد بأن تحرك العقيلة الطاهرة كان ضمن مخطط إلهي، وأن خطها كان خطا رسوليا.

وهنا مولاتنا السيدة زينب ، امتثلت لأمر أمامها ومثلت دور الإمامة وقيادة الأمة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، «لهذا كانت السيدة زينب في كربلاء»، حيث قادت الاتجاه الديني والإعلامي، والإداري، والسياسي بكل جدارة، ولم يصدر منها على ما يدل أن هناك أي خلل في إدارة أي من هذه الاتجاهات التي أدارتها، بل كانت كما يبدو إدارة الإمام المعصوم تماما.

لم يذكر التاريخ لنا أنه أثناء توليها قيادة الأمة وتحمل أعباء الإمامة أنه أرشدها لتصحيح أي مسار هي تجاوزته أو انحرفت عنه ولو بمقدار أنملة عن خط الامامة، أو ما لا يبتغي الله سبحانه وتعالى، بل لم يذكر أنها احتاجت لمشورة الإمام المعصوم المفترض الطاعة لاتخاذ قراراتها أو حتى في الجانب الشرعي.

لهذا كانت زينب في كربلاء! فهي كانت ركنا أساسيا ورئيسا ودورها لا يقل أهمية عن أي دور من أبطال كربلاء، بل البعض من العلماء والمحققين يرون أن السيدة زينب هي النصف الثاني من النهضة الحسينية الخالدة والمباركة.

كما أن دور السيدة زينب لم يتوقف عند مقتل وشهادة أمامها وأخيها الحسين وأولاده وأصحابه، بل قادت المسيرة والثورة بعد استشهاد الجميع بكل جدارة.

وما يكشف عن تلك القيادة الصلبة والحكيمة، موقفها القوي عندما سألها عبيد الله بن زياد بعدوانية، وهو يريد استفزازها والشماتة بها، قائلا: كيف رايت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟

فكان الجواب العلوي الشامخ والصلب الذي حطم عنجهية ابن زيادة وحاشيته الظالمة، وكشف صغر حجم السائل وخواء عرشه الزائف أمامها، حيث قالت ”ما رأيت الا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم..“.

آها لوجدك يا زينب، أي قربان هذا الذي قدمته يا هابيل إلى ربك، أمام قربان آل محمد، حيث توجهت مولاتنا السيدة زينب إلى ربها الكريم الرحيم وهي لا تستطيع النهوض من هول المصائب والرزايا التي تحملتها وشاهدتها قائلة - وهي محتسبة لربها وراضية بقضاء الله وقدره -: ”اللهم تقبل هذا القربان من آل محمد“ لهذا كانت زينب في كربلاء!!!