آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 9:07 م

أفكارٌ من بذرِ الزهور

بين الفينة والأخرى أعود لمراجعة بعض ما كتبت من أفكار ورؤى فألوم نفسي على أنني لا أزال لا أستطيع تقديم فكرٍ جديد أو مادة حديثة. ثم يختفي اللوم حين أمر بأسوار المقبرة فأسمع الموتى بعقلي يقولون: ها هنا الجديد، اكتب فليس في حياتكم ودنياكم من جديد وكم تمنينا أن تركنا أفكارنا وكلماتنا فوق الأرض!

جيل آباءنا رحمهم الله لم يقرأوا ولم يكتبوا وتركوا ذكرياتٍ عملية وسيرةَ حياةٍ جميلة، وها هي تنطفئ جذوتها وتختفي قليلاً قليلا حيث يكبر الجيلُ الأول من أولادهم وبناتهم، فما الفرق إذًا بينهم وبين من هو متعلم اليوم ومتخصص ولا يكتب أفكاره في الحياةِ قبل أن يهلك؟

في الواقع، إن كنت تبحث عن جديد فلا جديد تحت الشمس، إذ كل الاختراعات والاكتشافات والكتابات تبدأ من بذرةٍ ترتمي دون مقدمات في ذهن من يحميها ثم من بعده يسقيها ومن بعده يعتني بها ثم نراها نحن شجرةً باسقة. فمن منكم نسي كيف تطورت الآلة التي في يديه أو المركبة التي يركبها، وكل وسائل الحياة نحن نظنها اختراع اليوم لكنها بدأت من شخصٍ لو مات دون أن يبدأها لربما لازلنا نتواصل اليوم عن طريق بريد الخيل والبغال!

تصيبني الحسرة عندما أسأل عن مهنةِ إنسان ما وأجده طبيبًا أو أستاذا أو متخصصا في مهنة، لكنه يبقي أسرار ما تعلم وأبدع فيه حبيسة طاسة رأسه وتدفن علومه ومعارفه معه وينساه الناس بالطبع! فليس فقط على العظماء أن يكتبوا الكتب أو المقالات ومن ثم خلق الأفكار وتنوير العقول والاختراع! حيث نحن الناس العاديون نملك أيضًا أرواحًا وأفكارًا جميلة ورؤي خلاقة، وإن كل بقدره!

ها نحن نقترب من فصل الخريف يومًا بعد يوم، ويخف لهيب الصيف الحارق في سنةٍ كانت من أصعب السنين، اكتبوا فيها ذكرياتكم لأبنائكم وأحفادكم. اكتبوا لتزرعوا في الناسِ الأملَ والفضيلةَ والبسمةَ والفرح والبهجة والرسائل الإنسانية والمعلومة. حينها سوف تشبه كتاباتكم بذور الأزهار التي تساقطت من جنائنكم في فصلِ الصيف، تبرد الأرض ويأتي المطر ويسقيها فتكبر وتزهر.

مستشار أعلى هندسة بترول