آخر تحديث: 24 / 9 / 2020م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حيّرني فيروسٌ صغيرٌ

فاطمة مهدي مويس

حقيقةٌ يصعبُ الأمرُ عليّ، ولو كان بإمكاني؛ لفجّرت ذاك الفيروس الصغيرَ، لا قتلته!، سأعذِّبُه بشظايا التفجيرِ، سأجعلُه ينطقُ أخيرًا ممَّن جاءنا ينتقم؟

وكيف له أن يَسْلِب كلَّ هذه الأيّامِ مِنّا؟!، وأن يلتهمَ أحبابَنا، حبيبًا يتلوه حبيبٌ. وكيف نراه يُغلِقُ أماكنَنا؟!، ويسكّن الممراتِ مِن أصواتنا، ولا يُحرّكُ ساكنًا أبدًا؟!

لم أتخيّلْ أبدًا أن تُغْلَق أبوابُ بيوتِ الأعزّاء؛ لدرجةٍ تصل إلى أن تُغلق حتّى على أهاليها!، وما ظننتُ يومًا أن يُغلَق بابُ بيتِ الجدِّ، وألَّا يلمّ حِضنُ الجدة الجميع؛ كما كان؛ فالكلُّ خائفٌ مِن أنّ يَكْمُنَ في وسط ذاك الحضنِ فيروسٌ صغيرٌ؛ يَعْدِمُ الحضنَ، ويُفرِّق اللَّمةَ.

سمعنا مَن يرفعُ صوته قائلاً:

- سَريعًا سريعًا.. اخرجُوا مِن بيوتكم محترزين.

فلبَّى الجميعُ النداء؛ وذهبوا إلى كلِّ منزلِ حبيبٍ، يطرقون بابه؛ فيفُتح لهم القلبُ، قبل أن يُفتح لهم ذاك الباب!

فتسارعوا بالأحضان، ولكنّ قلوبَهم يسكنُها الخوفُ، والرَّهبة، ومع هذا لا أحد يجرؤُ على مواجهة الشوق؛ لأنّ الكلَّ مشتاقٌ، والكلُّ يُكابِدُ عَناءَ الشوقِ؛ من فترةٍ ليست بالبعيدة.

والآن عاد الجميعُ في كلّ مكان، وعادت المقاهي تحملُ كتبًا جديدةً، وأنواعًا مِن البُنِّ في غاية الروعة، وعاد أيضًا ضجيجُ الممرّات، وتحرّكت السيارات، وانتشرت انتشار البرق في كلِّ مكانٍ، وعاد البائعون يحملون بضائعهم بين الطُرقات، وارتفعت أصواتهم، وأخذوا يتسابقون؛ مستخدمين سلاحهم في المنافسة، وهو الصوتُ.

نعم، لقد تحرّك كرسيُّ المقهى أخيرًا، وتحرّك بعد طول ثباتٍ؛ تحرك الكرسيُّ الذي لم يتعود أبدًا طيلة هذه الوحشة، وما اعتاد على سكونه في مخبئه - المقهى -؛ ونحنُ أيضًا ما اعتدنا على سكون الحياة كلّها.

الحمد لله، عُدنا، عدنا؛ لنتفحّصَ الكتبَ جيّدًا، ولنطلقَ ألسنتنا مِرارًا. نرى: هل نتجاوبُ مع ما بِداخله؟

رُفِعت الأقلامُ، وسُكبت أحبارها أخيرًا، ونسأل: هل عُدنا حقَّاً للمقاعد؟، هل عُدنا حقًّا؟

أجل، أكرِّرُ: عُدنا، قليلًا.. بالحمد عُدنا.

والآن.. نسيقظُ باكرًا، كما كنّا معتادين، وتقومُ أمي فتصنعُ الفطورَ، خبزًا شهيًا.. جعلت بِداخله زعترًا، كما كانت تفعل دائمًا، ولأنّ الزعتر بعين أمي عشبة خارقة، تَحوّل كلُّ ما بِداخل عقلي إلى أمرٍ عبقريٍّ.

ماذا لو صنعت الأمهاتُ عشبةً خارقةً بالفعل؛ تقضي بها على ذاك الفيروس؟

لا أشكُّ في الأمر؛ لأننا لو اقترحنا أمرًا فسنتمكن من تحقيقه عاجلًا، أو آجلًا؛ فتلك الأيدي لا تَخيبُ.

لقد حيّرني طِيلةَ هذه الأيام.. طالت المدةُ، وأنهكتنا.. صَعُب أمرُه.. وما زلت أقولُ لنفسي: متى سيُفهم أنّ بقاءه عبءٌ علينا؟