آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 9:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأطفال حينما يكتبون

قلب الحدث قداحة إبداع، قلب الحدث بؤرة مثاليّة لخلق التّميز، فلماذا لا نهيئ المؤسّسات لاحتضان المبدع المقبل وإنّ كان «صغيرًا»؟، الشّتلة المرعيّة تعطي ثمرًا يانعًا، فلماذا لا نصب الاهتمام على أبنائنا الموهوبين؟، الحديث الفردي لا يخلق الموجة، ولا يتكوّن الإعصار إلا إذا تكاتفت الأكف، ما نحتاجه تشكيل هيئة تعمل على اكتشاف المواهب الكتابية منذ الطّفولة المبكرة، سحرتني ذات نهار الكويت حين لمستُ بعض الكتّاب اليافعين، فسررت وأنا أقرأ ما كتبوا، وأعلم أنّ خلف الأكمة جهد ورعاية أغدقت على هذه الأقلام الشّابة.

إننا بحاجة ماسة لتشكل مؤسّسة الكتّاب الصّغار واليافعين، وظيفتها كشف النّقاب عن تلك الموهبة المخبوءة، ومن ثمّ وضع القطار على «السّكة»، لتنبهر العيون بما يصنع الموهوب الصّغير.

فرغنا من الحديث عن الكتابة للصّغار، وجاء الدّور لخلق المبدع الصّغير، الطّموح أن نضع الطّفل الملّاح في مكانه الصّحيح ليقود سفينته، شبعنا من الكتب التّي تتحدث عن تنمية مواهب الطّفل، ولكنها مخصّصة للكبار، لماذا لا نضع الكعكة في وسط الكتاب ليتذوق الصّغير روعتها ويشق من خلالها طريقه؟!

التّجربة خير برهان، فهناك عمالقة من الكتّاب، كانت بدايتهم من الإعداديّة والابتدائيّة، وهي مرحلة بداية الانطلاق، المطّلع يدرك أنّ هناك توجه حالي لاستقطاب «الأطفال المبدعين»، حيث دشنت عدّة جهات اطلاق مبادرات وجوائز كتابيّة مخصّصة للطّفل، من أجل كتابة «قصة قصيرة» أو سكب لون كتابي يعبق بأدب الطّفل، هذه الموجة الحضارية لا تكفي، والمطلوب رعاية الطّفولة الإبداعيّة، أعرف أنّ هناك محاولات فردية لرعاية الموهوب الصّغير، وهذا لا يكفي كذلك ولا يرتقي للطّموح، إننا نحتاج للنّقد من أجل البناء، لهذا نضع العتب الحضاريّ للمسؤولين، لماذا لا تُعني المؤسّسات الثّقافيّة بالنّشء؟!، لماذا تسقط أعمار الأزهار من قواميسها، كما يصنع الخريف؟، إننا نرغب في الرّبيع، والرّبيع يعني تفتح الأزهار لا اهمالها وسحقها.

من خلال تجاربنا مع الصّغار، ندرك جليًا أنّ في أعينهم تألق، وفي صدورهم حلم، وبين أناملهم موهبة، ليس المطلوب منا إلا مسك الإبريق ورش بعضَ الاهتمام، الصّغار يفهمون ويعلمون ويدركون، ويدركون أنهم يدركون، في مرة من المرات قرأت لهم إحدى قصصي الموجه للصّغار، وهي: «مستعمرة الدّيدان»، أدركت بحق أنهم يفهمون منها ما لا يفهمه الكبار، تجري الحروف في عروقهم مجرى الدّماء، إنهم بالفعل يتذوقون، ولا يستعجلون المضغ كما يصنع الكبير، لهذا نرى أنّ في الصّغار كنز، فهم يستمعون بقلوبهم قبل اسماعهم، في تجربة أخرى، قدمت لهم مدخل قصة تخيليّة، وطلبت منهم اكمالها، فأبدع الصّغار في الحكاية، وهذا دليل نجاح.

كلّ ما يحتاجه الطّفل ورقة وقلم، ثمّ إلى قداحة تثير عقله، ورعاية رقيقة لأنامله الصّغيرة؛ ليحلق بخياله نحو رحلة الأحلام، فلنفتح الطّريق للملائكة أن يدوّنوا عالمهم؛ حينها سنشم الشّذا وتعبق الأزهار.

إداري في مركز التنمية والإبداع-خريج جامعة الملك فيصل بالأحساء «العوامية».