آخر تحديث: 22 / 10 / 2020م - 2:13 م

علف الأفكار

يسمى ما يقيم الجسم ”الأكل“، وهو ما يكون به نماء الجسم وقِوامه من الطَّعام والشراب. أما ما يغذي العقل فيسمى ”المعرفة“ وهو ما يساعد على تنميةِ المواهب العقليَّة. وفي كلتا الحالتين، على الانسان أن يجهدَ ليحصلَ على الغذاءِ الصالح لهما معًا. لكن ماذا لو كان الكثير من الفكرِ المتداول في سوقِ المعارف مغشوشًا لا يعدو كونه نوعًا من الموادِ الغير صالحة لتنمية وتغذية عقول الناس؟ حينها يمكننا أن نسميه ”علف الفكر“.

”العلف“ هو عموم طعام الحيوان ومنه الجيد والرديء، وحين يستهلك الإنسان علف الفكر يتحول فكرهُ إلى فكرٍ حيواني. ولك أن تتخيل إذا تسيَّدَ هذا الغذاء وارتقى في سُلَّم أغذيةِ العقول في بعضِ الأزمنة، وأصبح هو مادة الطعامِ المستهلك بشكلٍ متكرر والغالب على الأنواع من غذاءِ العقل، ليس الجيد من هذا الصنف بل الرديء الذي لا تطمع فيه حتى الدواب!!

وكما العلف تستهلكه الدواب كلَّ صبحٍ ومساء، فإن علف الأفكار يُقدم لمن يشتهيه ويرغب فيه كلَّ صباحٍ ومساء أيضا. فمن هنا، هي مسؤولية المستهلك والآكل وحده أن يعرفَ الفرقَ بين غذاءِ الفكر المُنتقى النافع للعقل وبين العلف المضر، ناهيك عن أن يكونَ منتجًا يستهلكه العقلاء والمفكرون ثم يستحيل طاقةً إيجابية، تخلق الأفكارَ والنظريات!

وكما أن معضلة التعرف على أجود الطعام أضحت أكثر تعقيدًا اليوم، فكذلك ما تستهلكه العقول. والسبب - في أغلبِ الأحيان - غِشّ المُنتِج وقدرته على التمويه والتعمية والخلط التي تفوق التصورَ والتَخَيُّل، وليس كل أحد يستطيع أن يفحصَ ويدقق ويمحص الجيد من الرديء في زمن وجباتِ الأكلِ السريع ووجبات الفكرِ السريع.

وفي كلِّ الأحوال، تبقى المسؤولية المباشرة على المستهلك الذي من واجبه الفحص والمعرفة، وإن كان المُنتِج والصانع غير معفيّ من المسؤوليةِ الاخلاقية وحساب الضمير، إن ظهرَ من الاستتار وعادَ من الغياب!

مستشار أعلى هندسة بترول