آخر تحديث: 3 / 12 / 2020م - 9:47 ص

سستم داون.. ثقافة اعتذار محدثة

زكريا أبو سرير

بحكم تغير رتم الحياة بجميع أشكالها وأنواعها، يتغير معها كذلك نمط الحياة، وبهذا التغير الشكلي والوضعي تُصنع ثقافة جديدة ومتنوعة وفقا لتلك المتغيرات وتلك الأنماط الجديدة، ومن خلال هذه الثقافة المستحدثة يبدأ إنسان المجتمع الجديد يمتص فكره وسلوكه المهني منها، لأنها أصبحت هي الآلية الذي بواسطتها تدفع بحركة المجتمع بأكمله، فلا خيار للإنسان في المجتمع الجديد إلا أن يخضع لتلك الإرادة الحداثية.

فعند بداية مشروع التحول الحياتي الجديد والحديث، كانت هناك تهيئة من قبل قيادة هذا التحول، لكي يسهل عليهم تمرير فكرة هذا التحول الثقافي والفكري والعملي، فبدؤوا بتهيئة السلطة الرابعة وهو الإعلام، فأخذوا ببث هذه الثقافة من خلالها على جميع المستويات الاجتماعية والمرافق العلمية والعملية، فكانت كالتبشير بالمنقذ الجديد للوضع الحياتي على كل الصعد، فكانت السعادة في وقتها تطير بجناحيها على أفراد كل المجتمع بسبب تلك الثقافة المقبلة عليهم.

إن معاملة في أي قطاع حكومي أو خاص كانت تحفظ في أدراج الموظفين شهوراً إن لم تكن سنين غبراء، حيث يأتي المراجع أو المصنف بالعميل للقطاع الخاص، لتلك المؤسسة وهو حامل رقماً قد بلا في جيب صاحبها، حتى حبر ذلك القلم أصبح سائلا على تلك الورقة، تعبيرا عن مدة حفظها لدى المراجع، فيأتي رد الموظف للمراجع بكل سهولة وبدون أدنى إحساس بالمسؤولية راجعنا بعد أسبوع المسؤول غير موجود بسبب اجازة مرضية، فيخرج المراجع وهو خائب الأمل والرجاء وهذا حال الكثير، فجأة تأتي ثقافة بآلية جديدة وتخبر بأن مثل هذه المعاملات فقط تحتاج دقائق لإنهائها، تخيل كيف هو الشعور لأي مراجع؟؟ حيث تحولت آلية العمل، من الدفع اليدوي إلى آلية العمل بالدفع الآلي، رتم سريع وبشري سعيدة بلا شك.

وحيث أن منظومة هذه الثقافة الحديثة، مبنية على نظم وقيم ومبادئ أخلاقية وعملية وذائقة إنسانية، حيث يتفرع من تلك المنظومة، منها ما يعرف بنوع الخدمة أو المنتج، سرعة إنجاز العمل، تقديم جودة العمل، تقديم الخدمة المتميزة في العمل، الشفافية في العمل، الصدق في العمل، الأمانة الأخلاقية، وأخيرا رضا المراجع أو العميل، من خلال تقييمه للخدمة ومقدم الخدمة، إذن نحن في عصر تحول ثقافي شامل ومتغير وحديث، وينبغي على الجميع إدراك ذلك.

ماذا تغير على المواقع الخدمية في القطاعين الخاص والعام وهم مصنفون ضمن هذه المنظومة الآلية الجديدة والحداثية؟

ابدأ بوصف حالة تجربة اجتماعية تصارع لكي تحصل على سويعات لإنهاء بعض أعمالها، أو بعض التزاماتها الواجبة عليها، على تمتعه بهذه العصرنة الحديثة.

كنت أنتظر مناسبة دينية أو اجتماعية أو وطنية لكي أكون فيها خارج صندوق أوقات العمل، وذلك لوجود تزاحم تنظيمي في عملي، من صعوبة تقديم على طلب استئذان أو حتى إجازة من رصيدي السنوي، نجد فيها تحرجاً مع المسؤولين، لذلك بالنسبة لي انتظار مناسبة معينة يتم من خلالها منحي فيها إجازة معللة بمناسبة معينة هذا يعني انفراجة كبيرة إلي، لا لأجل الاستراحة والنوم والترفيه وإن كان هذا أمراً مطلوباً وفي بعض الأحيان يكون واجبا، بل لأجل التفرغ لإنهاء ما علي من واجبات شخصية أو عائلية، وعلى ضوئها أقوم بتنظيم جدول شخصي لتلك لمهمات الذي سوف أباشر في عملها في تلك الإجازة، بمدة من الزمن، قبل بدء ساعات تلك الإجازة الممنوحة إلي رسمياً، حيث كل ساعة من تلك الإجازة تمثل لي قيمة وقتية.

بدأت ساعة الانطلاقة الأولى من فقرة ذلك الجدول المزحوم، وبعد انتظار طويل لا بأس به بسبب تزاحم الجمهور، وعند الوصول للموظف وهو يتأرجح على كرسي متحرك، وبكل برود يقابلني بعد تقديم طلبي له، مع الأسف السستم داون، ويكررها مرة أخرى وهو مبتسم السستم داون، بمعنى شلل وتوقف تام عن العمل.

وتسأل الموظف بكل احترام متى يا سيدي يعود النظام إلى وضعه الطبيعي، يجيب عليك لا أعلم، ما دام السستم داون، يعني افهمها الباب الذي دخلت منه اخرج منه، دون أن يكلف حاله ولو لحظة تفكير، كيف أتى هذا المراجع إلينا في مثل هذه المناسبة الذي يفترض بدلا من أن يكون هنا يكون في أحد مراكز الترفيه مع عائلته، وهذا هو صوت الضمير لو كان عند الآخر ضمير أو إحساس بالمسؤولية.

ما أود لفت نظر البعض ليس الجميع متمكنا من الحصول على وقت لإنهاء بعض أمور حياته، وكذلك ليس الكل متمكن من استخدام التقنية، ومنح فرصة لمثل هذه الشريحة الاجتماعية، يعتبر بالنسبة لهم فرصة ذهبية، وهذا يندرج تحت ما يسمى حسب التصنيف الاجتماعي، بالتنوع في المتغيرات والمستويات الثقافية والاجتماعية.

لهذا الجهات الخدمية بشقيها الخاص والعام لم تغفل عن هذه الشريحة لحفظ حقوقها، وينبغي خدمتها بالشكل المطلوب، وكذلك النظر إلى أن أحوال أفراد المجتمع غير متشابهة، لا ظرفا ولا اجتماعيا، لهذا ينبغي الأخذ بعين الاعتبار إن هذا التغير الاجتماعي والظرفي متغير من شخص إلى آخر، والأهم من كل ذلك النظر إلى مسؤولين مقدمين هذه الخدمة الرائعة، سواء كانوا يعملون في العام أو الخاص فليسألوا أنفسهم لماذا نحن في هذا المكان؟ الذي يفترض فيه أن نكون خادمين لهذه الشريحة من المجتمع، الذي على أساسه يتم فيه أجرنا المادي، وهذا لسان الضمير، فإذا أخلت بمهماتك العملية فأجرك المادي أصبح محل إشكال شرعي فضلا عن تقديم صورة سيئة عن شخصك وعن المكان الذي تعمل فيه، والإشكال الأكبر، عندما تجد لك بعض أنواع هؤلاء الموظفين المتعجرفين، يتظاهرون بالتفاخر أمام أصدقائهم إنهم استطاعوا تعطيل مصالح الكثير من الناس، بحجة مفتعلة أسموها السستم داون، أين ذهبت أخلاقيات العمل الذي تعبر عن قيم ومبادئ إنسانية وإسلامية، أين ذهبت ثقافة الإسلام ونبي الاسلام محمد ﷺ حين قال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَن يُتقِنَهُ» ولكن ماذا نقول غير قول الحكيم: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا..