آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 8:21 ص

نمنمات زينبيَّة

الدكتور أحمد فتح الله *

نمنمات زينبيَّة

مدخل:
بمناسبة ”أربعين الحسين“ تحية إجلال لحفيدة النبوة، زينب بنت علي وفاطمة «عليهما السلام». إن ”يوم الأربعين“، هو حقًا يوم زينب العظيمة، ويجب ان يكون كذلك، فهي رفيقة الحسين في ”الخروج“، وشريكته في ”المصيبة“، وعندها ملف ”القضية“، صانعة الانتصار من بين برك الدم والأشلاء المتناثرة، وأبقت ”الحسين“ والقضية. [1] 

«1» حين تتمرد حواء

كَرْبَلاءْ... منبع الآهات
وكُلُّ الآهاتِ لا تكفي
الأحزانُ لا تمضي
لَكن لحواء مشروعٌ على الأرضْ...
تعصر من أنوثتها دمَ الحياةْ...
تحمل الحياة...
تضعها باصطبار
بكبرياءٍ يرى في الألم جمالْ...
في المعاناة... ينبوع حنان
في الانكسارْ... روحًا تبثُ الانتصار
كربلاء... في عنوانها الثاني...
هي حكاية حواءٍ حوراءْ...
أكملت ما بدأه ”وارث آدم“

 


«2» بَيْنَ إمْرَأتَيْنْ

جيء بها مكبلة بالحديد...
أوقفوها أمامه...
- ما دعاكِ [يا طوعة] إلى إيواءِ الخارجي؟
-  هو سفير النبوة... والخارجي أنت وأبوك.
-  اسجنوها... مع الخائنات...
 واهدموا دارها.
- وَأَنْتِ!! كيفَ رأيتِ صنع الله بأخيكْ
- ثكلتك أمك يا بن مرجانة.
انفجر غضبًا... همَّ أن يضربها... سمع صوتًا يناديه...
- يا أميرْ: إنها إمرأة... [فلا تؤاخذ بمنطقها]
- أَنَتَ أَحْمَقْ... لا... لستَ وَحدكْ...
كُلُّنَا حَمْقَى...
  هَذَا سِحْرُ عَلِي... تلك صنيعةُ عَلِي...
وهذه بنت عَلِي... عَلِي... عَلِي...
نَقْتُلُهُم...
ولا نَهْزِمَهُمْ


«3» رِدَاءٌ مِنْ دُمُوعْ

من خيوط الدموع اليابسة
نسجت رداءً
ورمته جهة السماء
عساه يسقط على صفحة عاشوراء
في كتاب الزمن


«4» الصَّدَى

سَمِعَتْ صَدَىً يُرَدِّدْ
"طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا...
غَالَهُ خَسْفُهُ...
فَأَبْدَا غُرُوْبَا"
هَوَى الصَّدَى فِي حِضْنِهَا
مَسَحَتْ عَلَى رَأْسِهْ
أَرْشَفَتْهُ دَمْعَةْ
أَطَارَتْهُ مِنْ جَدِيْدْ


«5» رصاصة زينبية

يَدِّسُ الطَّاغِيَّةْ...
فِي صَدْرِهَا شِوَاظًا مِنْ شَمَاتَةٍ وَخِسَّةْ...
تَبَسَّمَتْ...
لِجَمَالٍ فِي الْفَجِيْعَة...
تَرَاهُ عَنْ بَصِيْرَةْ...
اِبْتِسَامَةٌ كَسَرَتْ جَبَرُوْتَهْ...
قلَّمَتْ مَخَالِبَه...
ما عاد مخيفًا
دبَّتْ فيه الْهَزِيْمَة...
سرت العدوى


«6» وابتسم الحسين

في قصرِ ”المؤامرةْ“...
أَمَامَ القاتل المهزومْ...
نَثَرَتْ بِلِسَانِهَا نَهْجَ الْبَلَاغَةْ...
كَأَنَّهَا تُفْرِغُ عَنْ أَبِيْهَا.
يَا لِشَجَاعَةِ عَلِي... وبلاغَتِهِ...
يَا لِجَمَالِ لُغَةِ بِنْتِ عَلِي... وهَيْبَتِهَا
لَمْ يَرَ أَحَدٌ اِبْتِسَامَةَ الْحُسَينْ
مِنْ يَوْمِ خَرَجَ مِنْ المَدِيْنَةْ


«7» عقيلة النساء

ليست مجرد إمرأة حزينةْ
عقيلة... تسكن قضيةْ
هَمُّهَا أن تجعلها أجمل مدينةْ
مدينة تدومْ
تهزم الأخرياتْ
دون دماءْ
مسحت عرقَ حزنها
تعب اليتامى
يأسَ الأراملْ
أنينَ الثكالى
ابتسمت شموخًا
أطاح بغرور الكوفة
أَنَّتْ ريحًا
أفسد عرسًا في الشامْ
جالت في المدينةْ
أرهبت السلطانٌ
لكن للإنسان أجلْ
لبت النداءْ
تركت تحت وسادتها
خارطةَ طريق
مخططَ للمدينة القادمة
ودستورًا للقضية الخاتمة


«8» رواية زينب

أبدعت زينب بنت علي
روايةً من جملة واحدةْ
بأربعِ كلماتْ:
”ما رأيتُ إلا جميلا“
أقصر ُروايةْ
تتمطى في الزمان
تُرْجِمَتْ إلى عدةِ لغاتْ
العناوينُ تعددتْ...
الترجماتْ
والحقيقةُ ثابتةْ:
إمرأةٌ ثكلى
بجملةٍ واحدة
وأدت هرقليةً أمويَّة


«9» المطر الخفي

أشارت للرأس
وهو يتوارى نظرةً فنظرةْ
مع سحابةٍ فَوْقَهْ
قالتْ عيناهُ لهَا شَيئًا
صرختْ:
- ”أخِي... مَطَرْ... مَطَرْ“...
”إِنَّهَا تَمْطُرْ“
صار عِيْدًا...
مِنْ بَشَر


«10» شوك الورد

جيء بها أسيرة
فاح عبق لسانها في قصره النتن
ظنوها وردة ذابلة
همَّ أن يقطفها
جرحته شوكتها
صار جرحه ندبة
تنفتق بين حين وحين
تنزف ذلًا
ماتْ... بقتْ الندبةْ


«11» صناعة الانتصار

قبل أن تسبى...
دَسَّتْ زينب سرًا في التُّرابْ
أخذ ينمو سنواتْ... 
انبثق صرحٌ... 
صار مقامًا للمجدْ... 
ومزارْ 
صار الأربعون... 
ذكرى الانتصارْ...
الأعوام تدول...
العدَّادُ يدور
يحمل الخطى
يطوي المسافات
لتعود الذكرى
ولا تحصى
فالعَدُّ لن ينتهي

[1]  من نثرية طويلة للمؤلف في الحوراء زينب جاهزة للنشر قريبًا. اقتطفت منها النمنمة الأولى.
تاروت - القطيف