آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 10:57 م

جنون العظمة

عبد الرزاق الكوي

جنون العظمة مرض عضال يولد أطماع لا قبل للمجتمع بتحملها لما يسببه من أضرار جسيمة تؤدي إلى خراب البلدان والفتك بالإنسان، وهو داء خطير يشعر من أصيب به بتقدير كفاءاته ويراها أعلى بكثير مما هي عليه في الواقع، صفات غير سوية يخالف بها كل من حوله، يتصف بالتكبر والغطرسة ويسعى لأن يكون القائد الأعلى دائما والمؤثر الأوحد ليس على نطاق نفسه بل على مستوى من حوله، يتملكه شعور انه على صواب وجميع من حوله لا يفقهون شيئا، وأن مكانه في القمة، ينتقص من قدرات الآخرين، مختال فخور بقدراته لدرجة الهوس، يعيش مثل الطاووس، يسخر كل شيء في سبيل الوصول إلى غايته وأنه الملهم ومصدر القوة والأمان وبدونه تخرب الديار وتدمر الأوطان ويهان الإنسان، يستخدم كل من حوله وإمكانياته لتعزيز وجوده، وإثبات موهبته، ليعترف الجميع بعظم قدراته، وتقدير مكانته، يكثر الكلام عن محاربة الجميع له وشن المؤامرات عليه، يفتعل الأزمات، يتمنى ان تقاس الأمور حسب تفكيره، يعاني من صعوبة التأقلم مع الواقع، جل حياته مواقف دفاعية، يمتلك طاقة من العناد، ويعتز بنفسه بشكل غير مبرر، يعتقد أنه الأذكى دائما.

هذه الشخصية المريضة توجد في مختلف نواحي الحياة سواء العلمية أو الثقافية أو الإدارية وغيره الكثير ممن يملكون موهبة أو سلطة أو مكانة اجتماعية تأخذهم المكانة مع جاهزيتهم لجنون العظمة إلى طمع لا يحمد عقباه.

قصة فرعون مصر مع نبي الله موسى خير مثال لجنون العظمة والطمع في أعلى حدوده وتأثيره، حيث طغى وتجبر، لدرجة وصل به حالة المرض معلنا أنه يحي ويميت، وبيده مقاليد كل شيء، فكان الضحية هم الأبرياء من شعبه الذين عانوا ويلات الظلم والعبودية.

قال تعالى: «فقال أنا ربكم الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى».

هذا الواقع الموغل في الطمع والظلم لم يكن حكرا على فرعون بل على امتداد التاريخ حفل بأمثال فرعون مع اختلاف نسبة المرض وأثره محليا وعالميا.

جنون العظمة والإجرام والعداء للدين وإعادة الواقع إلى الجاهلية تمثل في القول:

قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلناها ببدر فاعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

لست من خندق أن لم انتقم من بني أحمد ماكان فعل

كانت حرب ضد الله سبحانه وتعالى والقتلى ابناء الرسول ﷺ، في مجزرة رهيبة راح ضحيتها سيد شباب أهل الجنة وخيرة من على أهل الارض من اجل اطماع جاهلية وحقد دفين على من يقف في وجه المد الجاهلي المقيت.

قالت العقيلة زينب : ”لعمري لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي“.

والقاتل عرفته السيدة زينب وعرفت تاريخه الحافل بالظلم والعدوان وإسالة الدماء الطاهرة بدون حق الا الأحقاد والطمع من أجل إعادة الأمجاد وعبادة الأصنام.

”كيف يرتجى من لفظ فوه أكباد الازكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء“.

كانت جرائم إبادة وحروب شرسة من كربلاء وما حدث بعده من اجل إعادة الناس من العبادة الخالصة لله سبحانه وتعالى إلى الجاهلية، ورفض وتكذيب ما جاء به الرسول ﷺ "

”الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم“

وكان رد العقيلة زينب :

”الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد، وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر“

عرفت السيدة زينب وهي العالمة غير المعلمة من هو الذي فسق وكذب وفجر، وخالف النبي محمد ﷺ بقتل من طهرهم الله من الرجس.

يستمر هذا التاريخ الموغل في الكراهية والأحقاد والظلم في القرن العشرين، ظهر نجم الزعيم الألماني هتلر، حيث أستلم مقاليد الحكم وأصبح مستشارا في 30 يناير من عام 1933، حتى عام 1945، ادخل العالم في حرب عالمية ثانية ذهب جراء هذه الحرب الجنونية أكثر من 60 مليون قتيل، استخدم جميع خيرات بلاده من أجل الإنفاق العسكري وطمعه في ثروات الدول المجاورة وبمرضه العضال وجنون العظمة عم الخراب العالم، كانت حروبه العبثية في عدة جهات وفي آن واحد، بدون تقدير أو وازع أخلاقي أو إنساني، ولا احترام لمواثيق وقوانين ومعاهدات دولية.

وهذا المرض لا ينقطع وصلة ولا يخف وطئه والتاريخ حافل بهذه المسيرة السوداء لم يتعلموا من تجارب من سبقوهم وهذا من سوء حظ الشعوب أن يعيد التاريخ نفسه ويتقلد زمام الأمور شخصيات يملأها الكبر ويسكن في أنفسهم الغرور، ويعيشون حياة الأحلام الوردية، تحت مسميات لا تعد ولا تحصى، من الكتاب الأخضر وملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين، وارتداء الأزياء المزركشة تصل إلى حد الغرابة، ومنها الى بطل القادسية، الفارس المغوار المناضل صانع النصر المؤمن القائد الضرورة سيف العرب، واحد إمام المسلمين والثاني المؤمن، وبين هذا وذاك كانت النتيجة الدمار الشامل لاوطانهم ومواطنيهم والعالم من حولهم بسب سياسات مجنونة واطماع غير محدودة واحلام وردية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع.

وهذا الداء مثله قول المتنبي:

انا الذي نظر الأعمى إلى ادبي •وأسمعت كلماتي من به صمم

الخيل «والبدلاء» تعرفني • والسيف والرمح والقرطاس والقلم

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا • بأنني خير من تسعى به قدم

يستمر هذا الداء جليا في الأحداث الواقعة في أيامنا الحاضرة واستمرار حالات جنون العظمة واطماع التملك وتأثيرها الضار على مجمل الأمة وتأثير هذه السياسات على الشعوب والسبب إعادة أمجاد السلطنة سيئة السمعة بإرتكابها جرائم حرب وإبادة في حق الشعوب المستضعفة، وتاريخ طويل ملطخ بدم الأبرياء، ان يعطي المريض لنفسه أكبر من حجمها يذكر الناس بما قام به هتلر بشن حروب مدمرة وتدخلات مستمرة للدول المجاورة والقتال في عدة جبهات في وقت واحد، نشاهد ذلك في التدخلات في سوريا من أجل ابتلاع شمالها بمساعدة مجموعة من المرتزقة الإرهابيين، دمرت البنية التحتية لدولة الصمود سوريا، والتدخل المستمر لشمال العراق في تدخل سافر لدولة ذات سيادة، وتمثل جنون العظمة في رده على الاحتجاجات العراقية على التدخل في شؤون العراق حيث قال بغطرسته المعهودة وانتهاك لكل القوانين والمواثيق الدولية: ”أن بقاء جيشه من عدمه لا يقرره العراق“، وهذا الواقع المخزي يتجلى في التدخل في الشؤون الليبية وتغذية الصراع الدموي التي ذهبت من جراءه ارواح بريئة بدلا من العمل على إحلال السلام، وجبهات اخرى فتحت، صراع مع اليونان وقبرص وصولا إلى الحرب الأذربيجانية الأرمنية وتدخله بإرسال مجموعة من المرتزقة الإرهابيين لمساعدة ادربيجان، كما يهدد بين الحين والآخر أوروبا بفتح الحدود للمهاجرين للدول الأوربية، واليوم بوادر السلام الأذربيجانية الأرمنية تلوح في الأفق تأبى جنون العظمة الا الوقوف وحث اذربيجان على مواصلة الحرب والحصول على مبتغاها عن طريق استمرار الحرب بمبررات غير عقلانية، وكأنه يريد ان يعيد التاريخ نفسه وما ارتكبته السلطنة في حق أرمينيا من قتل الأطفال والمجازر المروعة التي لم ينسها أهالي ارمينيا، كل ذلك بحجج واهية، احيانا الدفاع عن دولته وأخرى من اجل إنهاء معاناة إنسانية في دولة مستقلة وفرض الاستقرار في دولة ذات سيادة، وإحياء شرعية حقوق الانسان والدفاع عن الاسلام وخلافات اخرى مع دول جارة بسبب الغاز والنفط، ومسميات كثيرة تلبية للداء العضال الذي يتملك مثل هذه الشخصية، والنتيجة المتوقعة بسبب هذا المرض ومن أحب تحقيق الحلم بالسيطرة المطلقة، من اجل إكمال المخطط، تسريح الآلاف من العسكريين بحجة الانقلاب العسكري وإضعافهم من المواطنين والجامعيين المعارضين لسياسته، وأغلقت كثير من الصحف والمجلات واعتقل الصحفيين والإعلاميين، وتستمر معاناة الأكراد قتلا وتشريدا بلا رحمة، لم يسلم من هذه السياسة أحد بل تزداد شراسة وقمع، لم يسعى في تاريخة للم الشمل والإصلاح وتقريب وجهات النظر بل إشعال للفتنة.

الضحايا هم الأبرياء من ابتلو بمجاورة نافخ الكير، لم يسلم صغيرهم ولم يأمن كبيرهم ولم تستر نساؤهم مزيد من الآلام من اجل احلام لن يكتب لها الحياة بل مزيد من الموت.

هؤلاء الذين يعتقدون انهم الحكماء والعقلاء وماعداهم مغفلون لايفقهون، يتناسون ان البشرية بدأت ترفض هذه التوجهات الظالمة، قضية كبرى ان يقتل المصاب بجنون العظمة شعبه والأشد خطورة ان يتعدى حدود بلاده قتلا وتشريدا، يكذبون الكذبة فيصدقونها، كل العالم على خطأ والقائد العبقري هو الصواب.

السلطنة ذهبت بشرها وإجرامها بلا رجعة، امتد ظلمها إلى ثلاث قارات اسيا وأفريقيا وأوروبا، فلن يرضى العالم تكرار تجربة من الظلم والقتل، يصارع خارج التيار الا من مجموعة من المرتزقة الإرهابين الذي يتنقل بهم من بلد إلى اخر، ويتلقى الهزائم في كل بلد، والخاسر الجميع اذا ترك يلعب بمقادير الشعوب.