آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 10:57 م

للجادين فقط

المهندس أمير الصالح *

اعتاد الناس على قراءة يافطة:“مباشر من المالك ”في ذيل إعلانات بيع عقار أو تقبيل محل أو بيع سيارة أو عند بيع تحفة فنية. واعتاد الناس حديثاً قراءة جملة“للجادين فقط“. وهي جملة تسترعي الانتباه لأن الجملة تحمل ضمناً رسالة مفادها أن هناك أناس ليسو جادين أو فعلياً هم فضوليون في التعاملات التجارية. وعادة ما يكون المتنطعون أو الفضوليون مُضيعين لوقت البائع الجاد في حسم الأمر وعقد الصفقات والمضي قدماً في التجارة.

ومنذ بضع سنوات قليلة، امتد استخدام جملة ”الجادين فقط ”حتى في مواقع التعارف الاجتماعي بهدف عقد الصداقات؛ وهذه الجملة أيضاً تنم عن أن هناك من الناس من يطقطق في علاقاته مع الآخرين بقصد قتل الوقت أو الانتهازية في التعارف أو الطماشة والتسلية أو السفسطسة في الحديث أو حب المباهاة والتبجيل الذاتي.

في رأيي الشخصي، جملة ”الجادين فقط ”من الواجب توظيفها في مجال تكوين الأسرة من بداية مشوار الخطوبة ومروراً بسنين الزواج الأولى وحتى ما بعد إنجاب الأبناء والشيخوخة. ومن مفارقات الزمن أنه في ظل التسامح الاجتماعي في التعارف المؤطر لفترة ما قبل الزواج في بعض المجتمعات، وفي ظل تعدد أدوات التعارف والتحقق من المعلومات الشخصية، إلا أننا نسمع عن تصاعد نسبة الطلاق بشكل ملفت وخطير.

حتما تنم مؤشرات حالات الطلاق المتصاعدة تلكم عن أشياء عديدة ومن ضمنها ضمور نسبة الجدية في تحمل المسؤولية من أحد أو كلا طرفي عقد الزواج، أو نقص منسوب تحمل تبعات القرار بالاقتران، أو تبدلات أمزجة أحد أو كلا الطرفين نحو الآخر. وعلى صعيد حياة ما بعد الاقتران، ليس كل زوج وزوجة عندهم الاستعداد الكاف لتربية حصاد زواجهم من الأبناء. ومع ذلك وبشديد الأسف يتلاق الزوجان وينجبون المزيد من الأطفال دونما إبداء أية جدية تامة في تربية ما رزقهم الله من الأبناء، وعدم تسخير الوقت الكافي لذلك. والأدهى أن بعض أرباب الأسر يسلمون أطفالهم وبناتهم الطريين فكراً لعالم الديجيتال حيث بحور التيارات الأيديولوجيات المتنوعة من أرجاء المعمورة. وليس غريباً أن نسجل تزايد عدد الضحايا من الشباب والمراهقين والأطفال نتيجة لتعرضهم للأمواج الفكرية عبر الإلكترونية العاتية لأنهم أرض خصبة لتلقي كل ما يبث في النت. فمعدل ما يصرفه بعض الشباب والمراهقين على مواقع التواصل الاجتماعي والنت يُقدر بين 6 - 8 ساعات يومياً. فضلاً عن تزايد معدل الثقة للأطفال والمراهقين بمحركات البحث الإلكتروني مثل google نتيجة لوجود أجوبة سريعة في مواقع البحث واستئناسهم بها؛ وفي ذات الوقت تزداد مسافة التباعد من بعض الأطفال عن محيطهم الأسري والبشري. الجميع يشاهد بأننا في مراحل تحول رقمي كوني كبير ولا بد من إعادة الأمور إلى نصابها في استحقاقات الأسرة والزوجات والأبناء والجيران. فهل كل أب وكل أم ”جادون ”في تكوين أسر ناجحة بحق أم ما يزالون يفكرون؟!