آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 10:57 م

هوية سائلة!

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

واجهت هذا التعبير خلال قراءة سابقة حول التحولات الاجتماعية، وما يرافقها من تهميش للمفاهيم والقيم المؤثرة في حياة الجماعة. نعلم أن التغير في نفوس الناس يجري بسرعات متفاوتة، فالشباب أسرع تغيراً، وأبناء الطبقة الوسطى المدنية أكثر عرضة للتغيير، كما أن ثبات الهويات الموروثة أو انحسارها، رهن بسعة العوالم التي يطرقها الشباب، حين يبحرون في فضاء الإنترنت.

سألت نفسي عن معنى أن تكون الهوية سائلة، فتخيلت هاتفاً يقول لي؛ كيف تصورت عالماً كاملاً ليس له أي واقع مادي، سمَّيته «الواقع الافتراضي»، ثم تستغرب سيولة الهوية؟ سمّها إن شئتَ الهوية الافتراضية، أي ذلك الوجود الذي لا يمكن تحديده في هيئة خاصة، مع أن آثاره وتمثلاته تؤكد أهميته وامتلاكه لكل ما تتصف به الحقائق المادية.

ما الذي أثار هذا السؤال؟

لقد كنت أتأمل فيما يقوله الطلبة وآباؤهم عن تجربة التعليم عن بعد، وكيف أصبح العمل على الإنترنت روتيناً يومياً لمئات الآلاف من الشبان والشابات. هذه التجربة فرصة نادرة للتأمل في تحول ثقافي واجتماعي، يجري أمام أعيننا، وربما تترتب عليه آثار مدهشة.

المدرسة هي محور التجربة، لأنَّها الرمز الأبرز للنظام الاجتماعي السائد، بما فيه من ضوابط وتراتب وتصور عن الذات والحياة. كان يفترض أن تلعب المدرسة دور عامل التغيير للأجيال الجديدة، لكن لأسباب مختلفة، تحوَّلت على يد آبائنا إلى قناة لتثبيت التقاليد والقيم الموروثة، أي نقل الثقافة السائدة في الفضاء الاجتماعي إلى الأجيال الجديدة، كي يواصلوا المسار الذي ورثه الآباء عن الأجداد.

نحن نحاول جعل أبنائنا صوراً مكررة عنا. ولهذا نشعر بالسخط إذا وجدنا سلوكهم مفارقاً لما ألفناه. ولعلَّ بعض القراء يتذكر غضب المعلمين من الملابس غير المألوفة وقصات الشعر الغريبة عند الطلبة، في السنين الماضية. نعلم أنَّ هذه قد انتهت تقريباً، لكنها لا تزال جديرة بالتحليل.

- لماذا كان بإمكان المعلم أن يصرخ في وجه التلميذ إذا رأى شعره طويلاً؟ ولماذا يشعر الطلبة بالرهبة من المعلم والمدير والنظام المدرسي؟

الجواب أنَّ ذلك النظام وما يحيط به من معانٍ وتقديرات، مصمم لتعزيز مفهوم مركزي واحد، هو تفاوت القوة بين التلميذ والمعلم. يمكن للمعلم أن يصرخ في وجه الطالب، لأنَّه يملك نوعاً من السلطة، ويصمت الطالب مخزياً لأن موقعه في هذا الترتيب يحدد له هذا السلوك، وليس غيره. إن حضور المعلم وهيئته، وجدران المدرسة وأبوابها المغلقة، كلها مصممة كي تخدم فكرة «تفاوت القوة» بين التلميذ والمعلم.

أما الغرض من هذا الترتيب، فهو جعل التلميذ مفتوحاً ومهيأً كي تمارس المدرسة دورها في نقل الثقافة السائدة للجيل الجديد.

نحن الآن في واقع مختلف. أبرز ملامحه غياب فارق القوة الصريح بين المعلم والتلميذ، وغياب ما يحيط بالعلاقة بين الاثنين من ترتيبات ورموز السلطة. جدران المدرسة تركت مكانها لعالم لامتناهٍ، يجيد التلميذ الإبحار فيه، ويملك الأدوات اللازمة للرحلة، كل يوم، بل كل ساعة لو شاء.

لهذا السبب، فإنَّ المدرسة لم تعد قناة وحيدة لنقل الثقافة، بل مجرد قناة بين عشرات، بل مئات من القنوات الأخرى، الأكثر ليناً وربما الأكثر إمتاعاً وترحيباً. بعبارة أخرى، فلن تقدر المدرسة على توليف هوية أبنائنا بعد اليوم، وبالتالي فلن يكونوا على الصورة التي ألفناها. ولا أعلم، وهم بالتأكيد لا يعلمون أيضاً، ما هي الهوية أو الهويات البديلة التي نتوقع أن يحملوها. ربما تكون هوية متحولة، حتى سائلة، تتبدل بين حين وآخر ولا تستقر على حال.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.