آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 11:55 م

الموقف الانساني

محمد أحمد التاروتي *

يضرب البعض كافة المبادئ والقيم الانسانية بعرض الحائط، من خلال اتخاذ مواقف مستهجنة تجاه الاخرين، فتارة انطلاقا من الغيرة والحسد، وتارة اخرى نتيجة العداء الشخصي، مما يجعله يتجاهل الصفحات البيضاء، ويركز على النقاط السوداء، بهدف اثارة الرأي العام واستخدام اللغة الهجومية، عوضا من اعتماد اللغة التصالحية في العلاقات الاجتماعية، بحيث تترجم بالتشكيك في جميع تحركات الاخرين، ومحاولة قراءتها بطريقة مغايرة للواقع، الامر الذي يكشف جانبا ”اسودا“ في منظومة القيم الحاكمة لهذه الفئة، في التعاطي مع بعض الشرائح الاجتماعية، وبالتالي فان محاولة اثارة الضغائن وتأليب الرأي العام، يشكل احد الاهداف الاستراتيجية على الدوام.

محاولة التحرك في الاتجاه المعاكس وسيلة ”العاجز“، فالبحث عن الصغائر والتغاضي عن جميع المواقف النبيلة، يعطي انطباعات سلبية تجاه هذ الفئة، لاسيما وان تسليط الضوء على الامور السلبية، واخفاء الجوانب المشرقة، يكشف عن اهداف تتجاوز المواقف الشخصية، وانما تستهدف رسم صورة مشوهة لدى الرأي العام، تجاه بعض الشخصيات، الامر الذي يقود لاتخاذ مواقف عدائية، مما يصب في مصلحة اصحاب المواقف ”الشيطانية“، وبالتالي فان السياسة غير الانسانية تشكل خطورة كبرى، على النسيج الاجتماعي، وتحدث شروخا في الثقافة الاجتماعية، عبر التركيز على الجوانب المظلمة، واغفال المواقف المضيئة.

انتهاج الاسلوب العدائي وغير المبرر، طريقة تجد اصداء لدى بعض الشرائح الاجتماعية، ولكنها غير قادرة على الصمود والاستمرار في البيئة ”الانسانية“، خصوصا وان التعاطي بطريقة هجومية وسيلة العاجز، في تحقيق النجاح بالوسائل المشروعة، مما يدفع لانتهاج الاساليب الخاطئة، عبر توزيع الاتهامات في جميع الاتجاهات، بحيث لا تقتصر على قضايا محددة، وانما تشمل جميع الملفات الاجتماعية، واحيانا تطال الشخصيات المغمورة وغير المعروفة لدى الرأي العام، مما يدلل على وجود نوايا شيطانية لدى هذه الشرائح في التعامل مع الاخرين، فالعملية بمثابة ”صفقات تجارية“ لتحقيق اكبر مكاسب، بعيدا عن المنظور الاخلاقي والانساني، وبالتالي فان الاسلوب العدائي يمثل هدفا أساسيا، وليس تكتيكا مرحليا.

الحكمة تفرض التعامل بطريقة مرنة مع الاخرين، ومحاولة امتصاص المواقف التصادمية، بهدف ارسال قواعد الوئام الاجتماعي، وعدم انتهاج الاسلوب التصادمي، نظرا للاثار المترتبة على تكريس هذه الطريقة في الثقافة الاجتماعية، فهناك الكثير من الاساليب القادرة وضع الامور في النصاب السليم، لاسيما وان ردود الفعل العنيفة ليست قادرة لملمة جراح الخلافات الشخصية، الامر الذي يتطلب انتهاج وسيلة الحكمة في التعاطي مع المواقف المختلفة، بهدف تغليب المصلحة العامة على بعض المصالح الخاصة، وبالتالي فان محاولة البحث عن نقاط الالتقاء، عنصر اساسي في تقليص الفجوة، واعادة الامور لسابق عهدها.

الموقف الانساني يعكس المرتكزات الأخلاقية، ويكشف جانبا من الشخصية، فالانسان الذي يتعامل بطريقة راقية يجد الاحترام المتبادل، ويحظى بقبول اجتماعي واسع، فالاخلاق بمثابة جواز سفر للدخول لقلوب الاخرين بدون استئذان، فيما يواجه اصحاب الاخلاق السيئة بالرفض التام، وعدم القبول لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، فالاعمال الشريرة ليست قادرة على فرض الاحترام على الاخرين، الامر الذي يفسر الابتعاد الكامل عن الفئات الشريرة، وعدم قبولها بالمجتمع، باعتبارها خلايا سرطانية تهدد الجسم الاجتماعي بالمرض الشديد، مما يتطلب استئصالها جراحيا باسرع وقت ممكن، نظرا للاثار السلبية المترتبة على استفحالها في الجسم الاجتماعي، بمعنى اخر، فان المواقف الانسانية تشكل عنصرا أساسيا، في تشكيل العلاقات الاجتماعية، بحيث تبرز على تعاملات مختلفة سواء على الصعيد الفردي او الجمعي.

وضع اطار قادر على لملمة الجراح، ومحاولة تناسي الماضي والنظر للمستقبل بتفاؤل، عنصر اساسي في ارساء قواعد إنسانية، قادرة على احداث اثر ايجابي في الثقافة الجمعية، مما يؤسس لمرحلة اكثر اشراقا قابلة للنمو والتمدد لدى الاجيال القادمة، فالاجيال الحالية تمثل امتدادا للاجيال المستقبلية، وبالتالي فان البحث عن المواقف النبيلة يعطي انطباعات إيجابية، لرفد الثقافة الاجتماعية بالطاقة اللازمة، لمواصلة المشوار لدى الاجيال القادمة.

كاتب صحفي