آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 5:29 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 30

بدر شبيب الشبيب *

بداية أعدكم أن هذا المقال هو نهاية سلسلة مجتمع المؤسسات المنعشة حتى لا يقول لي أحد: «مصَّختَها» أي نزعتَ منها الملح. والمقالات بعكس الأكلات حيث «الماصخ» منها يناسب الذين لا يعانون من ارتفاع الضغط، لأنهم يحصلون على ما يريدون بكل «مصاخة». أما فئات الضغط المرتفع ممن يعيشون التوتر صباح مساء بسبب الأوضاع المتردية حولهم، فلا يجدون سبيلا لتخفيف الضغط إلا عبر المقالات ذات الملح المركز وأمثالها من وسائل التعبير. فئات الضغط المرتفع هي فئات يشغلها الشأن الاجتماعي دائما، ولا ترتضي الواقع سقفا لها، فهي مهمومة بنقده وتطويره. هي فئات تشقى فيما يراه الآخرون نعيما، لأنها ترى ما وراءه ببصيرة حادة. هي فئات لا تشغلها الزخارف والأضواء الخاطفة المشتتة للوعي عن رؤية المستقبل بكل ما فيه من سواد وبياض.

في هذا المقال الأخير من السلسلة أود أن أشدد على أهمية الوعي والنقد الذاتيين للخروج من الواقع الراهن إلى مستقبل أكثر إشراقا وحيوية. المستقبل الغامض هو نتيجة طبيعية للحاضر الغارق في الضبابية، أو بتعبير أكثر دقة: المستقبل المجهول يصنعه حاضر غير سوي. وهذه العبارة الأخيرة هي عنوان المقال الشهير للدكتور عبد العزيز الدخيل في جريدة الشرق السعودية بتاريخ 4 فبراير 2013. وهو مقال يستحق القراءة أكثر من مرة لما فيه من الصراحة النقدية الشجاعة. يقول فيه: أنا واحد منكم، مشارك في كل خطاياكم وذنوبكم، إلا أنَّ خمرَكم لم يُسكرْني ويرحْني مثل ما أراحكم لأنعمَ مثلَكم بحياة التيه والنسيان واختصار الزمان في الحاضر من الأيام. ما أسعدَكم بعقولكم! وما أشقاني بعقلٍ رافضٍ مشاغبٍ كافرٍ بالنعمة يرفض أن يريحني لأريحكم من تشاؤمي بمستقبلٍ ترونه بعيداً وأراه قريباً! سألت عقلي المتمرِّدَ عليَّ وعلى النوم والراحة: ما الذي دعاك وأوصلك إلى هذا الخوف الشديد من المستقبل؟ ألا ترى ما نحن فيه من رَغَدِ العَيش وطيب المأكَل والمسكَن؟ صحيح أنَّ سيول البترول المتطايرة من أفواه آبار البترول تسيلُ في بعض الوديان المرتفعة ولا تنحدر إلى الوديان المنخفضة، وهذا عكس قانون الطبيعة، لكنَّنَا راضون مقتنعون، حتى وإن كان حالُنا مخالفاً لقوانين الطبيعة؛ فالقناعةُ كنزٌ لا يفنى. صحيحٌ أنَّه رغدٌ لا ينعم به ويستفيد منه كل المواطنين بشيء من العدل والمساواة، لكن حتى أولئك المحرومين راضون بحالِهم.

أما الياباني نوبوأكي نوتوهارا فيتحدث في كتابه الجميل الذي أنصح الجميع بقراءته «العرب وجهة نظر يابانية» عن أهمية الوعي والنقد للخروج من عنق الزجاجة نحو مستقبل أفضل. يقول نوتوهارا: واجه اليابانيون تجربة صعبة مريرة. فلقد سيطر العسكريون على الإمبراطور والسلطة والشعب. وقادوا البلاد إلى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة وانتهى الأمر بتدمير اليابان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا حدث في تاريخنا القريب ودفع الشعب الياباني ثمنا باهظا.

ولكننا وعينا خطأنا وقررنا أن نصححه فأبعدنا العسكريين عن السلطة وبدأنا نبني ما دمره القمع العسكري. لقد عانى اليابانيون كثيرا لكي يخرجوا من الخطأ واستغرق ذلك أكثر من عشرين سنة. ومن المعاناة نفسها تعلمنا دروسا أظن أن الياباني لن ينساها، تعلمنا أن القمع يؤدي إلى تدمير الثروة الوطنية وقتل الأبرياء ويؤدي إلى انحراف السلطة عن الطريق الصحيح والدخول في الممارسات الخاطئة باستمرار..... المهم أننا وعينا خطأنا أولا، ثم عملنا على تصحيح الخطأ وهذا كله احتاج إلى سنوات طويلة وتضحيات كبيرة. كان علينا أن نعي قيمة النقد الذاتي قبل كل شيء، ودون إنجاز النقد الذاتي بقوة لا نستطيع أن نجد الطريق لتصحيح الأخطاء.

ما أردته من هذه المقالات هو نوع من إثارة الوعي ونقد الذات متطلعا إلى جيل منعش جديد يتحمل المسؤولية لصنع مؤسسات اجتماعية منعشة، تكون مختبرا للأفكار العملية الرائدة، وحاضنة للطاقات والكفاءات الواعدة، وبيوت خبرة محلية بسمات عالمية. هذا ما أردته أو بعضه، فإن نجحت فمن الله التوفيق نستمده، وإن لم يحالفني النجاح، فيكفيني شرف المحاولة.