آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

عالمنا والعجز عن تحديات العصر الراهن

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

أودُّ أنْ تكونَ هذه السطور تكملة لمقال أستاذنا د. محمد الرميحي المعنون «حرب الاسترداد الثقافية»، والمنشور في هذه الصحيفة، يوم السبت الماضي. تحدث الرميحي عن انفصالين متعاضدين: أولهما انفصال الفكرة الدينية عن العصر، وانحباسها في نقطة تاريخية بعيدة جداً. أمَّا الثاني فهو انفصال الأحكام الدينية الناظمة للمعاملات عن مبرراتها العقلية، وارتهانها بشكل سطحي لأفهام السابقين، مع علمنا بأنَّها أفهام مشروطة بضرورات عصورهم وحدود معارفهم.

والمفهوم أنَّ الدافع لمقالة الرميحي، هو رد الفعل الواسع - والخشن نسبياً - في العالم الإسلامي، على موقف الحكومة الفرنسية ورئيسها، والتي فحواها أنَّها ستواصل التزامها بحرية التعبير، ولو تضمَّنت تعريضاً بمقدسات دينية.

إنَّني لا أصدق ما قاله الرئيس الفرنسي، ولا أهتم به. لكن الذي يهمني - مثل أستاذنا الرميحي - هو موقفنا كمسلمين من حوادث كهذه. كل حادثة هي اختبار للقيم والمفاهيم التي نتبناها، والتي تشكل فهمنا لذاتنا ومن يجاورنا. نعلم أن العقلاء يفرحون بالتجارب لما تنطوي عليه من فرص لاستكشاف نقاط الضعف والقوة في مواقفهم أثناء الأزمات.

لقد أثار انتباهي أن الذين تنادوا للرد على الموقف الفرنسي، دعوا للمواجهة وليس التفاوض. وهذا موقف يتكرر في أغلب الأزمات، حتى التي يكون جميع أطرافها مسلمين. ولا بد أن موقفاً كهذا يثير سؤالاً جدياً: لماذا يميل غالبنا للنزاع بدل التفاوض، حين تنشب الأزمات؟ ولماذا يعتبر الرأي العام المسلم، أن كل أزمة تنطوي على عدوان خارجي، وأن رد الفعل الوحيد هو الدفاع العنيف، مادياً أو كلامياً؟ لماذا لا نفكر في خيار التفاوض، وتوضيح ما نظنه خطأ لدى الطرف الآخر، فلعلنا نهديه بالموعظة الحسنة، أو ربما اكتشفنا أن الخطأ عندنا، في تقديرنا للموقف أو فهمنا للأمور، أو حتى في قيمنا وما نتبناه من رؤى. لماذا يكون رد الفعل الأول هو التنادي للصراع، بدل التواصي بالحوار والموعظة الحسنة؟

أعود إلى تفسير الرميحي، الذي رأى أنَّنا لا نفصل بين ما لا ضرورة لتبريره عقلياً، مثل العبادات المحضة التي جوهرها التسليم للخالق، وبين التعامل مع الناس الذي جوهره المصلحة العقلائية. لقد قيل لنا إنَّ بعض ما نقوم به مثلاً عبادة عابرة للتاريخ، فلا نضع في اعتبارنا احتمال التطوير بعد مرور 14 قرناً من التشريع، لاختلاف الظروف الحياتية. وهذا أمر محتمل «رغم أني لا أميل إليه أبداً»، لكن المشكل أن هذا الاعتبار، أي تجميد الحكم في الماضي، قد سحب على الكثير من أحكام المعاملات، حتى التي لم يعرفها أسلافنا ولم توجد في زمنهم. النتيجة الملموسة لهذا الموقف هو تجميد الفكرة الدينية عند نقطة انطلاقها المتخيلة، بدل جعلها تتفاعل مع عصرها الراهن وحاجات أهله.

يرى الرميحي أن الانغماس العاطفي في التاريخ، يرجع لاعتقاد الجمهور المسلم بأن أسلافهم، قد أقاموا في زمن ما في الماضي، نوعاً من مدينة فاضلة «يوتوبيا»، وأن هذا الاعتقاد يعوض شيئاً ما عن شعورنا بالعجز إزاء تحديات العصر الراهن.

وبناءً على هذا التفسير، فهو يدعونا للتخلي عن التثقيف القائم على تسويق تاريخ مكذوب، والتركيز بدلاً منه على إيضاح حقيقة أن سلفنا كانوا بشراً عاديين، مثل غيرهم، حاولوا فأصابوا حيناً، وأخطأوا حيناً، وعاشوا دنياهم مثل سائر عقلاء العالم، ولم يكن ثمة مدينة فاضلة أو مجتمع كامل في أي وقت من تاريخنا المعروف.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.