آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

دنيا غريبة ومش مفهومة

سوزان آل حمود *

وحدِي أشعرُ بالنّورِ فيَّ وأشعرُ بالإنطفاء، لا أتمكّنُ من شرحِ ما يؤذيني بالطريقةِ التي أوذَىٰ بها، ولا أستطيعُ إجَادة البوحِ بما يعتملُ في قلبي بالطريقةِ التي بات الأمرُ عليهَا،ولا أستسيغُ الحديثَ عمّا أعانيهِ أو أمرّ بهِ لأنّني مذ وعيتُ لذا لا أتحدثُ بغيةَ التخفّفِ إلا وندمتُ فورَ الانتهاءِ. 

توصلتُ بعد عثراتٍ كثيرة، وخزيٍ أكثر، وصدماتٍ متكرّرةٍ أنّ المرءَ وحدهُ يسعدُ بنفسهِ،ويشعرُ به ووحدهُ يحملُ حزنهُ ويشعرُ بهِ لا فائدةً في البوحِ طالما من ينصتُ لا يحوي بين ضلوعهِ قلبك، ولا تضجّ الأفكارُ بعقلهِ كما في عقلك، لا داعٍ أبدًا للبسطِ في الشكوىٰ، ولاحتى للتخفّف من الكلامِ كما ندّعي.

ما رأيتُ في حياتي قط أشدّ عليّ من المجاهدة في التخلّصِ من ثقلِ الحديثِ، ثمّ بعد ذا يُقابلُ الحديثِ بتقليلٍ، ويقابلُ الحُزنَ باستهَانة.
احملْ ذاتكَ وسِر، اقطَع عوالق ما يعطّلكَ وامضِ، لا تلتفت، ولا تبُح، خبّئ نفسَك، خبّئ حُزنك، خبّئ سعادتك
لا تجالسُ المسفّهين، ولا تحادثُ المتفيهقين بلا حُجّة ولا وجه حقّ..
فبعضُ البشرِ أذىً لا تنقطعُ ديمومتهُ.

 وفي نهاية المطاف ارى دربٌ جديد نخطو فيه على وجلٍ بيدٍ مرتعشةٍ وقلبٍ يخفق، لانستطيعُ تبيّن السعادة من زخم المشاعر وفوضاويّة الفِكر، ولكنّا نسيرُ على أطرافِ أصابعنا خشيةَ إحداث جلبَة تستيقظ على إثرها الخيباتُ من جديد، ويتصاعدُ لهيبُ الخذلان مرةً أخرى.

أسيرُ ويدي تتشبّثُ بيدي، لم أعد أتعلّق بأكفّ الآخرين، أسيرُ وعينيّ ترقبُ الطريقَ بتمعّن، تتفحّص منحنياته ومنعطفاته، ترتقبُ على خوفٍ مفاجئة الفواجع، وتطمحُ بأملٍ صغيرٍ شعلته تكادُ تخبو في جبرٍ عظيمٍ عظيمٍ قد يفاجئنا جميعًا.

كلّ الناس مشوا من هُنا، ولكنّهم كانوا جماعاتٍ أسمع دويّها معًا، يدًا بيدٍ، وأنا هُنا أسيرُ نفس سيرهم يدي بيدي، وخوفٌ في قلبي، وطمعي كلّه موجهًا للسماء. 
ربما هناك سعادة ولكنّها خائفةٌ مثلي تحسبني عدوّتها كما أحسبُها غريبًا وكلٌ منا يختبئ من الآخر، ربما هناك من يبحثُ عنّا ولكنه تائهًا في منعطفٍ ما رُبما ورُبما، ومن رُبما يأتي السلوان.

هُنا.. مضى الكثيرُ هُنا، وكلّ مرةٍ أخطو خطوةً أشعرُ بأني طفلٌ صغير، يعدّ خطواته الأولى للحياةِ أول مرّة.

آمِلةٌ ألّا أخيب، وألّا يخيبُ رجائي..