آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 10:41 ص

عن ثلاثاء الثقافة أحدثكم

أثير السادة

يوم كانت المؤسسات الثقافية الرسمية تتثاءب، ومناشط الأندية الأدبية وجمعيات الثقافية تتقدم خطوة وتتراجع أخرى، وجدنا منتدى الثلاثاء الثقافي على طرف الساحل الشرقي في يقظة دائمة، ينثر الثقافة على رؤوس الناس، يختار بكثير من الحرية والانفتاح عناوينه وأسماءه، ويدوزن إيقاع الحياة الثقافية في هذا الإقليم الصغير، يضع في ميزانه هواجس الواقع والمستقبل، وينظر بعين المراجع إلى شرفات الماضي.

كانت ليالي الثلاثاء الثقافي في مجلس الأستاذ جعفر الشايب بمثابة مآدب ثقافية، بها من صنوف الفن والثقافة والسياسة والاقتصاد، وكالساحل الذي ينتمي إليه، يبقى في مد وجزر في علاقته مع الحضور، وفي اصطياده للأسماء والعناوين، لكنه يظل بحراً ثرياً لمن يبحث عن ضالته هناك، قد لا تدهشك كل العناوين، أو لا تثيرك كل الأسماء، إلا أنها حتماً تلامس بنحو أو بآخر مساحة من اهتمامات الناس، وتذهب بهم إلى ساحات الحوار حولها وفيها، مشددة على أهمية الحوار كطقس من طقوس الحياة.

الضجيج الذي يرافق بعض الأمسيات ويستحيل تماوجات ثقافية عبر منصات الكلام بعدها هو الدليل على أثر المنتدى وحضوره النوعي، هو الشاهد على فاعليته في تحريك بعض الملفات والقضايا التي تتمدد ضمن حيز هموم الناس وشواغلهم، مخاوفهم وتطلعاتهم، فباب سؤال واحد مغلق يكفي إذا ما فتح أن يحرك الساكن من أفكار الناس ومشاعرهم.

ليس سراً بأن المنتدى يحمل الكثير من الهواجس الوطنية والاجتماعية، يقدم هذه العناوين مرات كثيرة على سواها، ما جعله عند البعض لا يعدو منصة للعلاقات العامة، فيما البعض الآخر يحسبه محاولة ناجحة لترميم الجسور المتقطعة بين أطياف المجتمع، المجتمع الكبير الذي باعدته المسافات، كما باعدته الانتماءات الصغيرة والتقوقعات الطويلة، وهو في ذلك يحاول الظفر بتوسيع حديقة الأفكار التي ترتوي من هذا التنوع الاجتماعي والثقافي ضمن فضاء الوطن والإقليم المجاور.

وبمرور الوقت كبرت تطلعات المنتدى واتسعت برامجه، خرج من إطار الأمسيات الحوارية إلى فسحة الاحتفاء بالتجارب الفنية، والتكريم للمبادرات الاجتماعية، مشى المنتدى بأحلامه خطوات وهو يذهب باتجاه التعريف بأبناء هذا الوطن، وتسليط الضوء على نجاحاتهم، وهذا ما جعله يتخفف من ثقل مواسم الجفاف الثقافية التي تطرأ على المنطقة، ومنحه مساحة أخرى للتواصل مع المجتمع والمساهمة في دعم المبادرات الاجتماعية فيه.

تماوجات كثيرة مرت بها المنطقة خلال هذا العمر الطويل للمنتدى، حاول فيها الصمود والاستمرار في جعل شعلة الحماسة متقدة، كثرة من المنتديات التي تزامنت في حضورها مع سنوات الانفتاح ذهبت في ضغوط الوقت وضغوط الواقع، وبقي الثلاثاء الثقافي ممسكاً بعصا النجاة، وهو ليس بالأمر اليسير، لمن خبر العمل في الأنشطة الثقافية محلياً، وتعقيداتها، عقارب الساعة التي لم تتأخر إلا نادراً عن موعدها في هذا المنتدى تحدثنا عن إرادة جادة في تبيث هذا الحدث الأسبوعي في جداول الوقت، وجعله كنشرة الأخبار التي لا تخطئ موعدها عند كل ساعة.

كعابر قديم وزائر منقطع لا أملك إلا القول بأنه مازال عليَّ بقايا من غبار هذا المكان، المكان الذي دلفت إليه باكراً لأكتشف جداول من معرفة جديدة، وأتعرف على مواعيد استثنائية لاستعادة الضوء الغائب عن روح الثقافة المحلية، واستعادة لحظات الحوار المؤجلة بين وجوه الثقافة والمجتمع، كنت يومها أجمع الصور والأسئلة والوجوه، لأعيد اكتشاف كل الأشياء من حولي، وأعيد ترتيب موقفي من واقع الحياة الثقافية والاجتماعية في هذا البلد، فهذه المنتديات هي البديل اليوم لنوادي الثقافة والصالونات الكلاسيكية، فهي وإن لم تصنع جماعة ثقافية أو فنية ما، إلا أنها ساهمت في التبشير لقيمة التنوع الثقافي وقيمة الحوار، ورسم خارطة جديدة للعمل الثقافي والاجتماعي على حد سواء.