آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:57 م

اكتبوا لمن تحبون

بدر شبيب الشبيب *

يعاني الكثيرون من صعوبة في التعبير عن مشاعرهم الودية تجاه الآخر الذي يكنون له محبة كبيرة في قلوبهم، ولكنهم يبقونها مطوية في صدورهم. قد يكتفون ببعض وسائل التعبير الأخرى الضمنية غير الصريحة، وهذا يعود لأسباب عدة منها التربية الأسرية والثقافة الاجتماعية السائدة والتكوين النفسي للفرد.

قد يكتفي الزوج مثلا بالتوسعة المادية على زوجته وعياله كأسلوب من أساليب التعبير عن حبه لهم وحرصه عليهم واهتمامه بهم. ويجد صعوبة بالغة في التوسعة اللفظية والمعنوية برغم أنها لا تكلفه شيئا، وبرغم أثرها العميق في نفس المتلقي. فقد روى الإمام الصادق عن جده المصطفى ﷺ أنه قال: قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدا.

وإذا كان المرء غير قادر على التعبير اللفظي عن حبه لدائرته القريبة، فإنه سيكون أعجز عن فعل ذلك في الدوائر الأبعد. وهذا ما يجعل الجفاف العاطفي سيد الموقف في حياتنا الاجتماعية.

إن إحدى وسائل التعبير عن الحب هي الكتابة لمن نحب إعرابا له عمّا له في صدورنا ونفوسنا من محبة ومقام كبير. ومن أجمل ما وصلنا في هذا الصدد في تراثنا تلك الرسائل المعبرة التي بعث بها الإمام محمد بن علي الجواد لأحد أصحابه المخلصين، واسمه علي بن مهزيار الأهوازي.

علي بن مهزيار كان ممن صحب الأئمة الثلاثة الرضا والجواد والهادي . قال عنه الشيخ الطوسي: « علي بن مهزيار الأهوازي، رحمه الله، جليل القدر، واسع الرواية، ثقة، له ثلاثة وثلاثون كتابا، مثل كتب الحسين بن سعيد وزيادة، كتاب حروف القران، وكتاب الأنبياء، وكتاب البشارات. »

ونقل الكَشِّي من أحواله أنه كان إذا طلعت الشمس سجد، وكان لا يرفع رأسه حتى يدعو لألف من إخوانه بمثل ما دعا لنفسه، وكان على جبهته سجادة مثل ركبة البعير.

سنأخذ مقتطفات من الرسائل الودية المعبرة عن مشاعر الإمام الجواد نحو هذا الرجل كنماذج تشجعنا على الكتابة لمن نحب.

فقد جاء في رسالة جوابية للإمام الجواد موجهة لعلي بن مهزيار: قد وصل إلي كتابك وفهمت

ما ذكرت فيه، وقد ملأتني سرورا فسرك الله وأنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفي كيد كل كائد إن شاء الله تعالى.

في هذه الرسالة القصيرة نلحظ رد التحية بأحسن منها، حيث يفصح الإمام عن الأثر الإيجابي لرسالة علي له، ثم يدعو له بالسرور ودفع كيد الأعداء عنه.

وحين سأل علي بن مهزيار الإمام الدعاء له، كتب له الإمام ردا يظهر له فيه حبه وما يفعله لأجله في غَيبته. يقول الإمام في جوابه: وأما ما سألت من الدعاء فإنك بعد لست تدري كيف جعلك الله عندي، وربما سميتك باسمك ونسبك مع كثرة عنايتي بك، ومحبتي لك ومعرفتي بما أنت عليه، فأدام الله لك أفضل ما رزقك من ذلك، ورضي عنك برضائي عنك، وبلغك نيتك، وأنزلك الفردوس الأعلى برحمته إنه سميع الدعاء، حفظك الله وتولاك ودفع عنك السوء برحمته.

وفي رسالة ثالثة كتب الإمام لابن مهزيار عبارات رقيقة تنضح بالدعاء والمحبة. يقول فيها: يا علي قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوقير، والقيام بما يجب عليك، فلو قلت: إني لم أر مثلك لرجوت أن أكون صادقاً، فجزاك الله جنات الفردوس نزلاً.

أخيرا أرجو أن يجرب كل واحد كتابة كلمات بسيطة لمن يحب ويبعثها إليه بأي وسيلة جميلة من وسائل التواصل القديمة أو الحديثة، ثم لينظر أثرها الفعال بعد ذلك.

جربوا ولن تخسروا بالتأكيد.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.