آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

حسن آل حمادة من بسطة الكتب إلى عش الكتب

جهينة الإخبارية حوار: عيسى العيد - مجلة اليمامة

ما شاء الله عليك، عندك حالة من الولع بالقراءة، هل من أحد له دور في تشجيعك عليها أو بمعنى أصّح ما هي العلامة البارزة التي وجهتك إلى هذا الاتجاه؟

في أحد الأيام أخبرنا معلم اللغة العربية - في المرحلة المتوسطة - أنه سيلغي الدرس، ففرحنا! وظننت شخصيًا أننا سنتجه لنمارس الرياضة، وكانت المفاجأة أنه ذهب بنا إلى المكتبة المدرسية، وكانت المكتبة بمثابة اكتشاف مهم بالنسبة لي، حين رأيت فيها الكثير من الكتب التي تملأ الأرفف واستعرت وقتها كتاب: «العنزات الثلاث»، وكان الكتاب الأول الذي يقع بين يديّ خارج المقررات الدراسية، ثم وجدت نفسي أقصد المكتبات المتخصصة في بيع الكتب لأقتني الكتاب تلو الآخر، وبدأت رحلتي الجميلة مع هذا العالم المدهش، وكنا نعيش في مرحلة الصحوة الإسلامية - كما اصطلح عليها - فغلبت القراءات الدينية على مجمل قراءاتي، ومع الوقت، اكتشفت أن عالم القراءة يستع لما هو أبعد من هذه الأُطر.

حدثني عن الفوائد الشخصية التي عكستها عليك القراءة.

من أهم الأمور التي اكتسبتها وأنا أتتلمذ بين يديّ الكتب، أنها زرعت في نفسي الثقة بالنفس، لأقول للآخرين: ها أنا ذا! مع إيماني أن التشكيل الثقافي لا يبدأ من فراغ، فنحن في بداية تكويننا الثقافي أشبه بالإسفنجة التي تمتص كل المياه من حولها. لكن، في مرحلة لاحقة ينبغي أن نكون كمن يتلقى كرة ويركل أخرى، وهو يتلقى الأفكار. فليس من الصحيح أن نُسلّم لكل فكرة تصك مسامعنا. فقد عشت - كما الكثير - مع عالم الأشياء أولًا ثم عالم الأشخاص وأخيرًا وجدت حالي وجهًا لوجه مع عالم الأفكار، حسب توصيف المفكر مالك بن نبي، وأتصور أن القارئ الحقيقي ينبغي أن يتجاوز عالم الأشخاص سريعًا، ليكون دفاعه عن الأفكار بعيدًا عمّن يحملها.

كما قادتني القراءة لأكتشف مبكرًا ضرورة الانتقال من مرحلة القارئ/المتلقي إلى مرحلة الكاتب/المنتج، وقد حققت أمنيتي، فشكرًا لمولاتنا القراءة.

لكم كتاب عنوانه: «أمة اقرأ... لا تقرأ»، عنوان جميل. لكن، ألا تعتقد بأنك قسوت على الأمة بهذا العنوان؟

حقيقة أن هذا الكتاب الذي كتبته كبحث نُشر أولًا في نشرة خاصة وبلا اسم وكان من بواكير كتاباتي، وقد كتبته بناء على مشاهداتي لواقع الطلبة في الجامعة، فالكثير منهم كان يكتفي بالتهام المقررات، ولا يعرف طريقًا للكتب الثقافية، فكان من الضرورة أن أضع أصبعي على موضع الجرح، بعيدًا عن المجاملات، ثم إن هذا العنوان كان بمثابة «فلاش» أولي للفت النظر لمعضلة كبرى نعيشها، وعنوانه الحقيقي هو العنوان الفرعي الذي كُتب تحت العنوان الرئيس مباشرة وكان كما أثبته: «خطة عمل لترويج عادة القراءة»، ففكرة البحث تتكفل بوضع خارطة طريق لتشجيع القراءة عبر أربعة محاور، وهي: الأسرة، المدرسة، وسائل الإعلام، المجتمع.

كيف نمت لك هذه المعلومة بأن الأمة العربية والإسلامية قد انخفضت قراءتهم للكتب مع أن معارض الكتب يزدحم عليها المرتادون من الناس؟

من أبرز الشواهد الذي استندت إليها وقتها وبعيدًا عن الإحصائيات التي استقيتها من دراسات سابقة، هي ملاحظة عدد النسخ التي يقوم الناشر بطباعتها من العنوان الواحد فهي لا تتجاوز 1000 نسخة ليتم تسويقها في أمتنا العربية التي تتجاوز 300 مليون إنسان وبعضها لا ينفد من الأسواق، وحاليًا أجد من يبحث عن مطبعة لا تمانع من طباعة 200 نسخة أو أقل!

أما بخصوص الحضور الكبير في معارض الكتب فنأمل أن يبشر بالخير، وإن كنت هنا أستحضر عبارة: «ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج»! فمن المهم أن نلتهم الكتب قراءة واطلاعًا ونستفيد من أفكارها في واقعنا، ولا نكتفي بعملية جمعها ومراكمتها أو الاكتفاء بحفظ عناوينها.

من خلال مواكبتك واطلاعك على الكتب الجديدة وزيارتك للمكتبات، هل ترى تغيرات من حيث الاقبال على الكتاب؟

نعم، الوضع حاليًا مختلف كما أشرت في السؤال السابق، فالمعارض تشهد اقبالًا كبيرًا ووسائل التقنية الحديثة تدفع الكثير للبحث عن الكتب بفضل توفرها عبر المواقع الافتراضية بصيغ متعددة، إضافة لعرض صور أغلفتها بشكل متكرر من قبل الجيل الجديد وهم يحتسون مشروباتهم في المقاهي وغيرها، وإن خال البعض هذا الفعل كطريقة للاستعراض والتباهي، فهو استعراض حسن على كل حال، ونحن نشجعه، فالدال على الخير كفاعله.

لك كتاب عنوانه: «العلاج بالقراءة»، ففي رأيك: هل هناك أمراض علاجها القراءة؟

بالتأكيد، فكثير من مشاكلنا ستجد ترياق علاجها في قراءة كتاب أو قصيدة أو قصة قصيرة وربما حكمة موجزة. وفي ثقافتنا العربية ثمة من يتباهى بأنه يكتب لكي يدخل البهجة في نفوس المستمعين والقُرَّاء، فهذا أبو نواس يقول:

أتتبع الظرفاء أكتب عنهمُ

كيما أُحدّث من أُحّب فيضحكا

وليس خافيًا عليك أن ثقافة العلاج بالشِعر هي ثقافة قديمة رافقت الإنسان، وحين نقرأ القرآن الكريم سنقرأ الآية الكريمة: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء[الإسراء: 82]. وقد سبق أن تناولت في مقالة لفتت بعض الباحثين موضوع «العلاج بالقراءة في الأدب العربي»، لأثبت خلالها أن الأمة العربية استخدمت القراءة كطريقة علاج قديمًا وإن لم تستخدم هذا المصطلح الحديث، وفي مصر القديمة كانوا ينحتون على جدران المعابد عبارة: «المكتبة طب النفوس»، فإن أردنا العلاج لكثير من قضايانا فعلينا بالتلمذة على الكتب النافعة التي ترقى بالإنسان الباحث عن الرقي.

أسست مؤخرًا ضمن مشروعك الثقافي والترويجي للكتاب بسطة واتخذت مقرًا لها الكورنيش، فمن غير المألوف وجود بسطة كتب في الكورنيش. حدثني مفصلًا عن هذه البسطة وما هو الهدف من وجودها؟

بسطة الكتب التي عُرفت مؤخرًا باسم بسطة حسن، هي امتداد لما بشرّت بها في مؤلفاتي ومحاضراتي، فقد وجدت أن لديّ القدرة على ربط النظرية بالتطبيق، لذا كانت فكرة «مهرجان اقرأ كتابك» احدى أنشطتي العملية لتشجيع القراءة وتم تنفيذها عامي: 2013 و2016م في كورنيش القطيف بمشاركة المئات من الجمهور، ثم رأيت أن من المناسب أن أقيم فكرة البسطة بشكل أسبوعي، وبدأت بتغريدة أُبشّر فيها بالفكرة، ثم أصبحت حقيقة وبرنامجًا يشتاق إليه عشّاق الكتب والقراءة، ولتفاعل الناس مع الفكرة طالبوني بتنفيذها في المهرجانات وبعض المولات التجارية والأنشطة الثقافية المختلفة، وتنقلت بها من مكان لآخر.

وتستهدف فكرة بسطة حسن، تشجيع القراءة والتسويق للكتب عبر عرضها في أماكن تواجد الناس، لأن لديّ قناعة بضرورة أن نذهب بالكتاب إلى الناس ولا ننتظر قدومهم إليه وهذا أحد أسرار نجاح فكرة البسطة واقبال المتنزهين على كتبها، فكثير من الجهور يأتيها من غير قصد أثناء تنزهه مع أسرته أو تسوقه.

ما هي أنواع الكتب المطلوبة من بسطة حسن؟

الكتب متنوعة بتنوع الجمهور واهتماماته، لذا أجتهد لتقديم سلة فكرية صحية تتناسب مع مختلف العقول.

في اليوم الوطني السعودي الناس تحتفل بهذا اليوم في أماكن الترفيه والمجمعات التجارية. أنت تحتفل بتوزيع الكتاب المجاني! حدثني عن هذه التجربة، وكيف أنشأتها وهل تختلف عن البسطة؟

نعم، هي مختلفة عن فكرة البسطة. لكن، تشترك معها في تشجيع القراءة ولفت نظر الناس إلى الكتاب. ولعلّ الجديد فيها أنها تجربة حسبها البعض فريدة، بدءًا من عنوان المبادرة حيث حملة مسمى «عُش الكتب»! فقد قررت في اليوم الوطني تقديم هدية متواضعة لوطني، وقمت بوضع صندوقًا على سور منزلي يحوي مجموعة من الكتب وصلت 90 كتابًا وكان الرقم مقصودًا حيث أننا نحتفل باليوم الوطني الذي يحمل هذا الرقم، ونظرًا للإقبال ضربت الرقم في 3 وكانت النتيجة = 270 كتابًا تم توزيعها مجانًا، وحاليًا أصبح عش الكتب مكانًا لتبادل الكتب بشكل دائم كل 24 ساعة.

هناك سؤال دائمًا يُطرح حول الكتاب الإلكتروني، فهل تمكن من ألغى الكتاب الورقي وبمعنى آخر: هل عالم الإلكترونيات طاغية على الورقية؟

 كما أن لكل ورد رائحته، فلكل وعاء ثقافية من يحتفي به ولا يقدر على فراقه. لحد هذه اللحظة الجمهور يقبل على الكتاب الورقي، ولعل العدد الذي يقرأ الكتب الإلكتروني نسبته أقل، على الأقل في بيئتنا العربية، ولك أن تسأل، لتجد أن من يقع بين يديه كتابًا إلكترونيًا يبحث عن نسخته الورقية! وبرأيي ليس مهمًا شكل الوعاء الذي نقرأ فيه المعلومة بقدر جديتنا في عملية القراءة والتحصيل، فقديمًا كان الإنسان يقرأ على الألواح الطينية، فلا ضير لو قرأ حاليًا وهو يستخدم الألواح الإلكترونية.


الاسم والبطاقة الشخصية

حسن آل حمادة خريّج قسم المكتبات والمعلومات في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة عام 1416 هـ ، أمارس التعليم لغاية هذه اللحظة في المرحلة الثانوية، سبق أن قدمّت برنامجًا فضائيًا حول عالم الكتب والتعريف بها وبمؤلفيها في 40 حلقة. عام 1419 هـ ، تنقلت في الكتابة ضمن أكثر من صحيفة ومجلة محلية وعربية، وصدر لي قرابة 15 مؤلفًا كان الكثير منها يتناول ثيمة القراءة من زوايا مختلفة، ولا زلت أحمل همّ الترويج لعادة القراءة عبر المؤلفات والبرامج الميدانية المختلفة، لأنني أتصور أن القراءة هي أهم رافعة للمجتمعات والأمم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
جاسم
[ صفوى ]: 21 / 11 / 2020م - 7:14 م
الآن مافي أحد مهتم بالقراءة طالما الجوالات متوفرة أقصد الأطفال من الإبتدائي للثانوي وأتحدى لو فيه واحد من عمر 7 إلى 20 مهتم بالقراءة أو أنه حتى جرب يشتري كتاب بل وحتى لو كتب أمامه بالمجان ما يطلع فيها وأما الإزدحام على المكتبات كما يقول حمادة فهؤلاء من الجيل القديم قبل الآيفون والآيباد والجوالات لازالو مخلصين للقراءة