آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

التسامح طريق المستقبل للأمة والوطن

عالية آل فريد *

احتفل العالم في 16 نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للتسامح، وقد جاء ذلك في أعقاب إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1993 بأن سنة 1995 ستكون هي سنة الأمم المتحدة للتسامح، كما اعتمدت الدول الأعضاء في المؤتمر العام لليونسكو في 16 نوفمبر 1995، إعلان المبادئ بشأن التسامح، ويؤكد ذلك الإعلان، من جملة مبادئه، على أن التسامح لا يعنى التساهل أو عدم الاكتراث؛ بل هو احترام وتقدير التنوع الثقافي والإنساني، ويؤكد الإعلان كذلك على أن التسامح يعترف بكافة حقوق الإنسان العالمية والحريات الأساسية للآخرين ويحدد مسألة التسامح ليس فقط كواجب أخلاقي، ولكن أيضًا كشرط سياسي وقانوني للأفراد والجماعات والدول.

فالتسامح ليس فضيلة أخلاقية إنسانية فقط، بل ضرورة سياسية واجتماعية وثقافية، وهو أساس الحياة والعلاقات البشرية وهو دعامة الاستقرار الاجتماعي الذي يبني أواصر الألفة والمحبة والتعاون بين الناس أفرادا وجماعات.

التسامح يعني احترام أنسنة الإنسان، واحترام كيانه وكرامته مهما كان متباينا أو متمايزا في الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين أو اللون أو المذهب أو المنطقة أو القبيلة.

التسامح هو جسر العبور الذي يقود إلى التوافق والتعايش بين البشر مع تعدد جنسياتهم واختلاف أديانهم وأيدلوجياتهم الفكرية والثقافية.

التسامح يعني الإيمان بالتعددية واحترام التنوع والقبول بالآخر مهما كانت توجهاته أو قناعاته أو خياراته الحياتية.

فالناس خلقوا سواسية متساوون في الكرامة والعدل وفي الحقوق والواجبات والحريات، ونرى ضرورة ذلك في جوهر ميثاق الأمم المتحدة وكذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي تحرص من خلاله على تدعيم التسامح وتعزيز التفاهم المتبادل بين الثقافات والشعوب.

تمر علينا الذكرى اليوم وأمتنا العربية والإسلامية تعيش واقعا حرجا ومريرا من مراحل تاريخها، كالقصعة المستباحة تلفها الفتن وتتكالب عليها المحن، تنهشها الصراعات وتمزقها مخالب الأعداء، فمخططات الشرق والغرب تتقاذفها مستهدفة أمنها ومقدساتها وثوابتها وثرواتها، وغول الإرهاب والعنف والتطرف والعنصرية والكراهية أرهقها وأضعفها، ناهيك عن الفرقة والتمزق والانقسامات الداخلية وكثرة الحروب وتزايد أعداد اللاجئين والمهجرين، والمشاكل والتحديات التي تواجهها وتهدد مستقبلها، حتى أصبح بأسها بينها شديد، وبات حالها لا يخفي على القريب والبعيد.

إن صلاح أوضاع الأمة اليوم، منوط بإصلاح سياساتها ومناهجها وصلاح علمائها، ومثقفيها وقادة الفكر فيها، وتعاون مؤسساتها وليس لنا إلى ذلك من سبيل غير تحملنا جميعا للمسؤولية، في العمل على لم الشمل وجمع الشتات، واتباع ما أرشدنا إليه الباري عز وجل من الاعتصام بحبله وعدم التفرق والتنازع، والتعامل على قاعدة الاحترام والفهم المتبادل وإدارة كافة الشؤون على منهاج العدل والإنصاف،، متعاونين على رفع راية الإسلام وتعزيز مكانة مجتمعنا وأمتنا في هذا العالم..

قال تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم.

إن يوم التسامح مدعاة لنا نحن أبناء هذا الوطن أن ننظر بوعي وبصيرة نافذة لأن نجيد آراءنا ونصلح خطابنا لما يكون به عزتنا وائتلافنا ووحدة وطننا في جمع الكلمة ومنع التظالم والاحتراب، واحترام اجتهادات بعضنا البعض، وتوحيد جهودنا لبناء واقعا جديدا على أساس التسامح والقبول بالتنوع الثقافي والتعددية الفكرية والمذهبية، ففي الفرقة ضعف، وفي الاختلاف تشرذم وهزيمة.

قد آن الأوان لنبذ الخلافات المهددة لأمننا الاجتماعي، فإننا أحوج ما نكون إليه اليوم في ظل هذه الظروف العصيبة التي تحيط بنا، إلى إيجاد مناخ وبيئة مناسبة من الثقة والنقاء بيننا كمسلمين في وطن واحد يجمعنا مصير مشترك لكسر حواجز الجهل المصطنعة تجاه بعضنا لتحقيق المعرفة العلمية والموضوعية ولتصحيح التصورات العالقة في الأذهان والتي أشبه ما تكون خرافات وأوهام باعدت بيننا وأرجعتنا للوراء، فالإسلام هو دين الوحدة كما هو دين التوحيد، وقد حرصت شريعته الخالدة على الالتزام بقيم الرسالة الإسلامية في التكافل والتعاون والعدل والنهي عن الظلم وجاءت لترسي دعائم السلام والمحبة، فلنسمو بأنفسنا بعيدا عن الضغائن والأحقاد والعنصرية، ونرتقي بها عن التصنيفات والتهم الرخيصة التي تباعد بيننا وتهدد تسامحنا ووحدتنا الوطنية.

إننا في أمس الحاجة اليوم إلى التسامح والإخاء والتفاعل الإيجابي والخلاق مع قيم العدالة والمساواة واحترام حقوق المواطنة، وبحاجة إلى الالتزام بقيم التسامح الديني والحوار وقبول الآخر واحترام حقوق الإنسان التي كفلتها الشريعة الإسلامية الغراء.

ومن هذا المنطلق علينا بضرورة الانفتاح والتواصل والتفاهم المشترك والمتبادل بين جميع المكونات، فالتعارف وحسن الظن والحوار المتكافئ من ضرورات الاندماج والانسجام الداعي للألفة والتعايش بين بني الإنسان، في إطار من الإخاء والتسامح فهو السياج الأخلاقي والاجتماعي الذي نتمكن من خلاله الدفاع عن وحدتنا وحماية مكاسبنا التاريخية والمعاصرة.

فإننا لن نستطيع كبح جماح العنف والتعصب إلا بالمزيد من الألفة والتعاون والتضامن الداخلي، فكلما تطورت أوضاعنا وأحوالنا بهذا الاتجاه، كلما تمكنا من إزالة موجبات التطرف والعنف من فضائنا الاجتماعي والثقافي، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى هذا النهج لإزالة كل التوترات وضبط كل النزاعات وتعميق خيار الأمن الاجتماعي. فقيم التسامح والحوار والرفق، هي التي أوقفت الحروب الدينية في أوروبا التي وقعت في القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، إذ كانت الدول الأوربية تعيش الفوضى والحروب المفتوحة والصراعات العميقة بين مختلف مكونات المجتمع الأوربي، ولم يجد الأوربيون لأنفسهم حلا وعلاجا لهذه الأزمة والمأساة إلا في قيم الرفق والتسامح، فهي التي ضبطت الصراعات، وأخمدت الفتن، وأنهت التوترات والنزاعات العنيفة.

لذلك فإن خيار التسامح هو خيار الإنسان والمجتمع الذي يتواصل مع قيمه ويجسد مقتضياتها في واقعه الخاص والعام. وحتى تسود هذه الثقافة بصورة أكبر لابد من مضاعفة الجهود في كافة الأجهزة والمؤسسات الرسمية والأهلية، والنهوض بمؤسسات المجتمع المدني وتقويتها وتمكينها وتفعيل دورها الحقيقي كمساند وشريك، فكثرة مؤسسات المجتمع المدني في دولة ما دليل على استقرارها، وسيادة القانون فيها، ودورها مكمل حقيقي في تحقيق السلام والاستقرار والتكافل الاجتماعي ونشر الثقافة والوعي، وترسيخ المبادئ الأساسية للحياة في التسامح وتقبل الآخر وفي الشفافية والاحترام والعيش المشترك.

أخيرا،،،

إننا نتطلع لحياة أفضل للجميع أساسها المودة والاحترام، تجعل مجتمعنا نموذجا يدعو إلى التسامح وتعزيز قيم التعايش على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي.

وكما أعلنتها كلمة سمو ولي العهد - حفظه الله - نريد أن نعود إلى ما كنا عليه الإسلام الوسطى المعتدل المنفتح على العالم وعلي جميع الأديان والتقاليد والشعوب، سنعيش حياة طبيعية تترجم ديننا السمح وعاداتنا الطيبة، ونتعايش مع العالم ونساهم في تنمية ووطننا ووطن العالم... وحفظ الله الوطن.

كاتبة وباحثة سعودية «صفوى».