آخر تحديث: 22 / 1 / 2021م - 11:31 ص

أين المجتمع المدني 2؟

بدر شبيب الشبيب *

كي تنشأ مؤسسات حقيقية وفق الاصطلاح الحديث للمجتمع مدني، فإنه لا بد من توافر عدة شروط أولها وجود الإرادة الحرة المستقلة عن إرادة الدولة عند القائمين على هذه المؤسسات. فالمجتمع المدني لا يُنشأ من قبل الدولة، بل من قبل أفراد من المجتمع يتخذون بإرادتهم المستقلة قرارا طوعيا لتكوين مؤسسة تمارس أنشطة في المجال العام. وهكذا تنشأ الهيئات والجمعيات والنقابات والاتحادات والمنظمات التطوعية في الدول التي تأخذ بمفهوم المجتمع المدني.

ولذا فقد عاب البعض إطلاق صفة مؤسسات المجتمع المدني على مؤسسات تكونت بقرار حكومي؛ فلا يمكن اعتبار هيئة الصحفيين أو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أو جمعية حماية المستهلك في بلادنا مؤسسات مجتمع مدني، لأنها نشأت بإرادة ورغبة الدولة، وتفتقد إلى شرط الاستقلالية.

بالإضافة لذلك فإن مفهوم المجتمع المدني يرتبط بمنظومة «من القيم الأساسية، مثل الحرية، والتعدد، والتعايش ضمن الاختلاف، وحل الخلاف بالوسائل السلمية، وتعميق الممارسة الديمقراطية داخل المنظمات وهياكل المجتمع، وبالتالي فإن الانخراط في المجتمع المدني يقتضي التشبع بهذه القيم على الصعيدين الثقافي والسلوكي. فالنضال المدني يتصف بروح أخلاقية عالية، تؤمن بخدمة الآخرين بقطع النظر عن ألوانهم ودياناتهم ومستوياتهم الطبقية» «صلاح الدين الجورشي، المجتمع المدني العربي الضرورات والتحديات، مجلة التسامح».

نلاحظ هنا أن مفهوم المواطنة حاضر بقوة في مصطلح المجتمع المدني، وربما هذا ما يجعل البعض يتهيب من استخدامه واستبداله بمصطلح المجتمع الأهلي. خصوصا إذا أدركنا أننا لا نزال في عالمنا العربي بعيدين جدا عن المواطنة بما تعنيه من المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص وحق المشاركة السياسية المكفول دستوريا، وسلسلة الحقوق الأخرى الطبيعية والمدنية والسياسية.

يفرق الأستاذ نجيب الخنيزي بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني على أساس شكل العلاقات في كل منهما، فيقول: "نستطيع القول إن المجتمع الأهلي، هو خاصية الاقتصاديات الطبيعية «الإقطاعية وشبه الإقطاعية والرعوية» والمجتمعات التقليدية والراكدة، وذات الامتدادات الرأسية التراتبية، سواء التي تشمل التعاضديات الإرثية «القبيلة والعشيرة والطائفة» التقليدية، حيث نلحظ وجود المكانة الاجتماعية المميزة للشيوخ والوجهاء والأعيان وعلماء الدين وزعماء الطرق «أهل الحل والعقد» من جهة، وأتباع القبيلة والطائفة والطريقة والأفراد العاديين من جهة أخرى، والأمر ذاته، ينسحب وإن بمستوى أقل، على أصحاب المهن من الصنائع والحرف، وغالبا ما تكون تلك التراتبية مكرسة ومتوارثة، عبر أجيال عدة.

إذ من النادر أن يصبح فرد عادي في القبيلة أو المهنة، شيخا لها. بخلاف خصائص المجتمع المدني، الذي يستند إلى العلاقات الأفقية، وتنعدم فيه التراتبية العامودية، كما هو مرتبط بالدولة الحديثة، والمجتمع المتجانس قوميا أو وطنيا، الذي يمثل الفضاء القائم ما بين علاقات السوق والأسرة من جهة، وما بين الدولة من جهة أخرى، والذي يشمل مؤسسات تطوعية مستقلة عن المجتمع السياسي، وتستند إلى المبادرة الفردية الحرة، مثل الاتحادات والمنظمات المهنية والنقابية والاجتماعية والسياسية".

في ضوء هذا، فإن مفهوم المجتمع المدني لا يزال بعيدا عن كثير من مجتمعاتنا العربية التي يحكمها الاستبداد ويغيب فيها المواطن عن المشاركة في القرارات المتعلقة بمصيره ومستقبله، وحيث المواطنة ذاتها لا تزال حلما بعيد المنال.