آخر تحديث: 21 / 4 / 2021م - 8:30 م

الحوادث المفصلية

محمد أحمد التاروتي *

يتعاطى البعض مع الانعطافات التاريخية بطريقة سطحية، فيما البعض الاخر ينظر اليها بطريقة عميقة وجذرية، فالقسم الأول لا يرى سوى الجزء الظاهر من تلك الاحداث، مما يجعله غير قادر على فك الغموض وقراءة الأثر الكبير على الذاكرة الاجتماعية، الامر الذي ينعكس في عملية المرور السريع على تلك الحوادث، وعدم التوقف عندها كثيرا لاستخلاص العبر والدروس، من تلك الانعطافات التاريخية، بينما القسم الثاني يحاول التوقف مليا امام تلك الحوادث، وعدم الاكتفاء بمشاهدة الجانب الظاهر من المشكلة، من خلال دراسة كافة الظروف والأسباب المؤدية، لانفجار تلك الحوادث التاريخية، الامر الذي يؤدي للوقوف على الأسباب الحقيقية، وبالتالي التوصل الى بعض القراءات من جانب، والتحرك الجاد للاستفادة من تلك الحوادث التاريخية، على الصعيد العملي والاجتماعي من جانب اخر.

السطحية في التعاطي مع الاحداث التاريخية، يظهر اثرها ”الخطير“ لدى الأجيال القادمة، خصوصا وان القراءات الظاهرية ليست قادرة على رسم الصورة الحقيقية، لاهداف بعض الحوادث التاريخية ”المقصودة“، لاسيما وان هناك أطرافا تحاول افتعال المشاكل لادخال المجتمع في منعطفات خطيرة للغاية، وبالتالي فان النظرة السطحية تحرم الأجيال القادمة، من التعرف على الغايات والأهداف الحقيقية، من وراء اشعال بعض المشاكل، مما يحرم الذاكرة الاجتماعية من وضع النقاط على الحروف، خصوصا وان التاريخ يمثل مدخلا أساسيا في معالجة الكثير من الظواهر المستقبلية، انطلاقا من المقولة الشائعة ”التاريخ يعيد نفسه“.

الحوادث التاريخية تكتسب أهميتها من اثرها البالغ، على الحياة الفردية والواقع الاجتماعي، فهناك بعض الاحداث لا تستحق الاهتمام باعتبارها ظواهر هامشية، وليست قادرة على تسجيل اسمها في الذاكرة الاجتماعية، الامر الذي يفسر سرعان تلاشيها من الوجدان الاجتماعية، خصوصا وان الأثر المحدود لتلك الحوادث يدفع باتجاه ”تبخرها“ بشكل سريع، بينما تتمكن بعض الحوادث التاريخية من تسجيل اسمها في ذاكرة الزمن، وتخليد ذكراها في البيئة الاجتماعية، جراء اثرها البالغ على الصعيد الفردي والوجدان الاجتماعي، مما يجعلها حديث الالسن لدى الكبير والصغير، فضلا عن الحرص الكبير على تدوينها في التاريخ الاجتماعي، باعتبارها جزءا أساسيا من الذاكرة الاجتماعية الجمعية.

التداعيات الكبيرة للحوادث التاريخية، تكرس ”الذكرى“ في العقل الجمعي، لاسيما وان عملية القراءة العميقة للاثر الاجتماعي للانعطافات الكبرى، تنبع أحيانا من الوعي الكبير بضرورة دراسة تلك الاحداث التاريخية، والعمل على تخليدها في الوجدان الاجتماعي، بهدف الاستفادة منها والعمل على تجاوز اثارها المستقبلية من جانب، والحرص على تفادي تكرارها في الأجيال القادمة من جانب اخر، الامر الذي يفسر تدوين الكثير من الاحداث التاريخية، التي تعرضت لها الكثير من المجتمعات البشرية خلال القرون السابقة، مما جعلها حاضرة في الوجدان الإنساني، بالرغم من مرور قرون عليها.

بالإضافة لذلك فان الاحداث التاريخية تفرض نفسها بقوة على البيئة الاجتماعية، مما يجعلها حاضرة في الواقع الاجتماعي، بحيث تصبح احدى التحديات الحقيقية في البيئة الاجتماعية المعاشة، نظرا لقدرتها على فرض ايقاعاتها على الصغير قبل الكبير، فالعملية ليست مرتبطة بالوعي الاجتماعي في التعاطي مع الاحداث التاريخية، بقدر ما ترتبط بقدرة تلك الحوادث على احداث تغييرات جوهرية في الحياة العامة، الامر الذي يدفعها الى الواجهة باعتبارها من ابرز التحديات القائمة، فعلي سبيل المثال فان الأوبئة تمثل ابرز الانعطافات التاريخية، التي ستحفر في الذاكرة الاجتماعية، وكذلك الحروب الكبرى تفرض نفسها على التاريخ الاجتماعي، وبالتالي فان بعض الاحداث التاريخية قادرة على فرضها نفسها، على الواقع الاجتماعي بكل اتجاهاته ومكوناته.

مصير الحوادث المفصلية مرهون بالقدرة بطريقة التعامل معها، فاذا اتسمت بالمسؤولية والنظرة العميقة، فانها تمثل انطلاقة كبرى لتجاوزها بالشكل المطلوب، من خلال الاستفادة القصوى منها على الصعيد الفردي والاجتماعي، فيما ستكون وبالا ومصيبة على البيئة الاجتماعية، بمجرد التعاطي معها بطريقة سطحية، والمرور عليها مرور الكرام، لاسيما وان الحوادث تعكس ثقافة سائدة، وتكشف توجهات قائمة، الامر الذي ساهم في بروزها على الواقع الاجتماعي.

كاتب صحفي