آخر تحديث: 21 / 4 / 2021م - 6:34 م

بورصة التنجيم

محمد أحمد التاروتي *

تتسابق الكثير من محطات التلفزة لاستضافة بعض المنجمين، لاطلاق التوقعات مع بداية كل عام ”ميلادي“، باعتبارها سلعة رائجة تدغدغ مشاعر بعض الجمهور، فالعملية ليست مرتبطة بالايمان والقناعات بتلك التوقعات، بقدر ارتباطها بالربح والخسارة، حيث تحاول تلك المحطات التلفزيونية الاستفادة من المنجمين، في حصد اكبر عدد من الجمهور، نظرا لوجود شريحة تؤمن بمثل هذه الخزعبلات والتخرصات، لاسيما وان عملية قراءة الاحداث في العام الجديد، لا تتطلب مؤهلات عملية او إمكانيات خارقة، باستثناء بعض العبارات والجمل ”العمومية“، مما يضفي حالة من الانبهار لدى المتلقي.

سطوع نجم بعض الأسماء في عالم التنجيم، يمثل احد الأسباب وراء ”ركض“ بعض محطات التلفاز، للدخول في سباق ”التنجيم“ مع مطلع العام الجديد، انطلاقا من تحقيق بعض النبوءات في الأعوام السابقة، مما يدفع لممارسة لعبة الخداع المقصود لشريحة واسعة من الجمهور، كترجمة عملية للمقولة الشائعة ”اكذب واكذب حتى يصدقك الناس“، فالعملية مرتبطة بالقدرة على الدفع، وتبادل المصالح، وملئ الجيوب بالاموال، مما يستدعي انتهاج ممارسات خادعة، وتسويق الدجل والكذب، على الكثير من الناس، من خلال استخدام بعض المسميات لتمرير جملة الأكاذيب، فتارة عبر ترديد ”التوقعات“، وأخرى بتكرار مفردات ”التنبؤ“، وغيرها من الكلمات الأخرى، الساعية لاستقطاب اكبر شريحة من الناس.

يدرك المنجمون ان سوق ”التنجم“، يجد أصداء واسعة مع بداية كل سنة، مما يفسر ارتفاع اعداد هذه الشريحة بصورة غير مسبوقة، بحيث لا تقتصر على محطات التلفزة، وانما بدأت تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال افتتاح قنوات خاصة للتواصل مع الجمهور المخدوع، حيث يحاول بعض المنجمين الاستفادة من الثغرات القانونية، لممارسة الدجل والخداع، والهروب من المساءلة القانونية، فيما يعمد البعض للاستفادة من الحرية المتاحة لممارسة الدجل والخداع، في تضخيم الجيوب عبر بيع الوهم والكذب على الاخرين.

تمارس بعض وسائل الاعلام دورا كبيرا، في نشر ثقافة ”التنجيم“ في البيئة الاجتماعية، من خلال استضافة بعض الأسماء بعنوان ”توقعات العام الجديد“، الامر الذي يحاول المنجمون استغلاله بطريقة ذكية، من خلال الترويج للذات، ومحاولة الاستفادة من الوسائل الإعلامية، نظرا للدخول في الكثير من المنازل بواسطة بعض محطات التلفزة، وبالتالي فان عملية الاستفادة من تلك الاطلالة التلفزيونية، تمثل فرصة لا تكرر سوى مرة سنويا، مما يستدعي تسخيرها بطريقة مثالية، لرفع الأسهم في البيئة الاجتماعية، حيث يلاحظ التركيز على تضخيم الذات بهدف الترويج بالدرجة الأولى، بمعنى اخر، فان الدور الذي تمارس بعض وسائل الاعلام في تلميع لعبة التنجيم، لا يقل خطورة على الممارسات الكاذبة، التي يمارسها المنجمون، نظرا لقدرة الاعلام على فرض مفاهيم في اللاوعي الاجتماعي، الامر الذي يسهم في تسهيل مهمة التنجيم في الثقافة الاجتماعية، ويكرس الركض وراء الأكاذيب، التي تروجها هذه الشريحة.

بورصة التنجيم ليست جديدة، فهذه المهنة تمارس منذ القدم، وباساليب مختلفة، فالجهل والتخلف يمثل البيئة الخصبة، لنمو وانتشار هذه الممارسة، في بعض البيئات الاجتماعية، الامر الذي يرفع من قيمة ”المنجم“، ليصل الى مستويات غير مسبوقة، نظرا لوجود بيئة حاضنة لهذه الفئة، لدى العديد من الشرائح الاجتماعية، فالقيمة السوقية للمنجم قابلة للهبوط والارتفاع، تبعا لنوعية الخدمات المقدمة، فكلما كانت على مستوى عال من الخداع والكذب، كلما ارتفعت قيمة الخدمات المقدمة، خصوصا وان المنجم يحاول استغلال بعض النجاحات، في تكريس مفاهيم لدى الجمهور، من خلال زيادة تسعيرة الخدمات بطريقة ذكية، انطلاقا من قناعات راسخة تتمثل في ان مشوار الكذب قصير، مما يفرض استغلال الفسحة الزمنية، للحصول على اكبر حصيلة مادية، قبل اكتشاف الكذب والخداع.

كاتب صحفي