آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 1:12 ص

الاختيار - سرّ عظمة البشر 3

توجّه الرغبة لإتيان تصرفٍ دونَ غيره من التصرفات وعلى وجهٍ دونَ غيرهِ من الوجوه صفةٌ تجعلنا أرقى وأجمل ما خلقَ الله حين تعمل فينا ماكينة العقل، وتحرك بوصلةَ قرارنا نحو جهةٍ محددة يمكننا اختيارها. قدرة لم يمتلكها غيرنا من المخلوقات.

افترض الفيلسوفُ الفرنسي جان بوريدان تجربةً نظريَّة منع فيها عن حمارهِ الأكلَ والشرب لفترةٍ طويلة، بحيث اشتدَّ بالحمارِ الجوعُ والعطش. ثم قام بعد ذلك بإحضار إناءين متشابهين، واحدٌ فيه ماء وآخر فيه طعام، وقام بوضعهما أمامَ الحمار بحيث يكون الطعام والشراب على مسافةٍ متساوية من الحمار. احتار الحمار، هل يشرب الماءَ أولًا لأنّه عطشان أو يأكل لأنّه جائع؟ ولأنَّ جوعه مساوٍ لعطشه بقي الحمارُ مترددًا بين الأكلِ والشرب، لا يستطيع اختيارَ أيّ من الإناءين وتفضيله على الآخر. والنتيجة كانت أنَّ حمار بوريدان ماتَ جائعًا وعطشانًا. وهكذا ذهبت حكمةُ تفلسفَ الحمارُ فمات!

فلو أن حمار بوريدان كان يملك قدرةَ الاختيار التي يملكها الإنسان والتي تقوده ليتخذ القرارات، لكان فضّل أحدَ الإناءين على الآخر ونجا بنفسه، أو هلك أيضا، ولكن الحمار ماتَ لأنه بقي مترددًا غير قادرٍ على الاختيار أو التضحية بأمرٍ من أجلِ الآخر.

كلنا نرى طريقين: الخيرَ والشرّ، النورَ والظلام، التقدم والتأخر، العلمَ والجهل، والفقرَ والغنى؛ بحيث يمكننا أن نملأ صفحات من المتضادات التي بعد أن وهب الله للبشر العقلَ كمَّله بقدرة التفريق بين الطريقين، يفكر ويقارن ويختار أن يسير في بعضها ويترك الآخر. ثم يتحمل واعيًا مسؤوليةَ هذا القرار والاختيار.

وليس من سبيلٍ يهدي إليه اللهُ عباده لا يكون باختيارهم - ثم عليهم القرار والتبعة - في أي سبيلٍ ساروا من غير اكراهٍ وإجبار. وحيث لم يملك الحمار معرفة أيَّ خيار يسير فيه مات دون أن ينتفعَ بالماءِ والعلف. العقل في من ينام وفي من يستيقظ وفي من يكسل وينشط، لكنها الإرادة والاختيار الذي يدفع بواحدنا في هذا الطريق أو ذاك. وكما يقول جان بول سارتر: ”أنا أستطيعُ أن أختارَ دائِماً، وحتّى إذا رفضتُ الإختِيار، فرفضِي عدم الإختيار هو إختيارٌ في حدِّ ذاته“.

تعترضنا الأواني المتشابهة في مراحلَ كثيرة في حياتنا: أيّ جامعةٍ نختار، أيّ امرأة نخطب، أيّ وظيفة نعمل، فإما الوعي والاختيار الحسن أو اختيار واحدٍ دون فرق، أو لا شيءَ على الإطلاق...

مستشار أعلى هندسة بترول