آخر تحديث: 21 / 4 / 2021م - 8:30 م

وسائل التواصل

محمد أحمد التاروتي *

احدثت وسائل التواصل الاجتماعي نمطا مختلفا في إيصال المعلومة، وكسر الطوق المفروض على بعض الاحداث بمختلف أنحاء العالم، اذ لم تعد المعلومة حكرا على فئة او مجتمع دون اخر، جراء سهولة التواصل، وعدم القدرة على السيطرة على سيل المعلومات، مما فرض واقعا جديدا على الجميع، فالمرء بامكانه صنع الحدث او المشاركة فيه خلال ثواني قليلة، وبالتالي فان المرء مطالب بفرز الغث من السمين، جراء الكم الهائل من المعلومات المغلوطة، التي تجد رواجا كبيرا لدى الكثير من الشعوب العالمية.

عملية تقييم المعلومات مرتبطة بالوعي والحذر، وعدم الانسياق وراء ترويج تلك المعلومات، خصوصا وان النوايا الحسنة ليست واردة لدى مروجي تلك المعلومات، مما يستدعي الحذر والعمل تحكيم العقل قبل ابتلاع الطعم، فالأهداف الكامنة وراء بث تلك المعلومات تتجاوز التفكير الضيق، لتدخل في نطاق التخريب، ونشر الثقافة التدميرية في المجتمعات البشرية، لاسيما وان الفئات المروجة لهذه المعلومات تدرك جيدا سرعة الانتشار، وسهولة الوصول لاخر بقعة في العالم، مما يدفعها لدس السم بالعسل.

المعلومات المشوشة بشأن كورونا تمثل احدى الأمثلة البارزة في المرحلة الراهنة، حيث وجد مروجو المعلومات المغلوطة البيئة الاجتماعية خصبة لبث الكثير من الأكاذيب، من خلال استغلال حالة الهلع والخوف المصاحب لانتشار الوباء، لبث المزيد من المعلومات الكاذبة، خصوصا وان الافتقار للثقافة الصحيحة يدفع باتجاه الاستمرار في ”لعبة الكذب على الذقون“، الامر الذي ساهم في شحن العقول بالكثير من المعلومات الكاذبة، فتارة عبر بث المعلومات المتعلقة بطرق القضاء على الفيروس، واخرى بعدم تصديق الكثير من الاخبار المتعلقة بخطورة الجائحة، وثالثة بالامتناع عن التطعيم باللقاح، وغيرها من المعلومات الكثيرة، التي وجدت طريقها لعقول البشر خلال الأشهر الماضية، حيث يشتغل المروجون نقاط الفراغ لمزيد من الأكاذيب، والتلاعب بالعقول بطرق مختلفة.

امتلاك الوعي والتزام الحذر في مختلف المعلومات المنتشرة في وسائل الاجتماعي، عناصر اساسية للنجاة من فخ اكاذيب المعلومات الخاطئة، خصوصا وان المروجين يراهنون على عمليات اعادة الارسال غير الواعية، والتي تمارس على نطاق واسع، لاسيما وان الارسال الكثيف في غضون ساعات قليلة، يلعب دورا اساسيا في بث هذه الثقافة في البيئات البشرية، الامر الذي يساعد في تحقيق الاهداف المرسومة، ويدعم التحركات الساعية لتكريس الاخبار الكاذبة، وبالتالي فان محاولة تجاوز سيل المعلومات المغلوطة عملية ليست سهلة، ولكنها غير صعبة على من خلال انتهاج سياسة التعقل «اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل».

الوصول الى حقيقة المعلومات الكاذبة، التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي، على مدار الساعة، عملية اساسية لتفادي الانجراف ورائها طريقة ”القطيع“، خصوصا وان ايقافها ومحاولة كشف زيفها يدخل في باب ”الاصلاح“، فالمساهمة في بث تلك المعلومات بمثابة ”نشر الفاحشة“، نظرا للاثار التدميرية المترتبة على غزو تلك المعلومات في العقول، الامر الذي يدفع لاتخاذ قرارات خاطئة، بعضها ذات علاقة بالمحيط الاجتماعي، والبعض الاخر مرتبط بشبكة العلاقات الاسرية، فيما الخطورة تكمن في القرارات ذات المصير المشترك، وبالتالي فان عملية محاربة اكاذيب وسائل التواصل الاجتماعي باتت ضرورة ملحة، وغير قابلة للنقاش على الاطلاق.

حرية التعبير مبدأ اصيل، وغير قابل للمساواة، فوسائل التواصل الاجتماعي كرست هذا المبدأ على الصعيد العملي، اذ لم تعد هناك حواجز قادرة على فرض ارادتها، وممارسة ”تقييد“ حرية التعبير، بيد ان المشكلة تكمن في الفوضى المساهمة لمفهوم حرية التعبير، فالعملية لم تعد مقرونة بالقدرة على التعبير، ولكنها تتجاوز الاضرار بالبيئة الاجتماعية، الامر الذي يستدعي ايجاد قواعد قادرة، على ضبط الانفلات في التلاعب بالثقافة الاجتماعية، من خلال تحريك العقول بالاتجاه الصائب، والعمل على رسم اسس قادرة على تحميل الانسان المسؤولية، في الحفاظ على القواعد الاخلاقية، من خلال التحلي بقدر من المسؤولية تجاه المعلومات على اختلافها، مما يحد من عملية نشر الاكاذيب المؤثر على النسيج الاجتماعي، والامر الذي ينسحب على الاخبار ذات العلاقة بالصحة العامة.

كاتب صحفي