آخر تحديث: 21 / 4 / 2021م - 8:51 م

العراق ووحدتنا الوطنية

محمد المحفوظ *

ثمة إشكاليات وتحديات كبرى يثيرها الحدث العراقي، ويدفع بها إلى الواجهة طبيعة الأحداث الدامية التي تجري في العراق بشكل يومي.. ولعل من أهم هذه الإشكاليات والتحديات، هي المرتبطة بمسألة الوحدة الوطنية.. فلماذا بعد عقود طويلة من تأسيس الدولة الحديثة في العراق، تهدد هذه الأحداث وحدته وتلاحمه الداخلي.. فهل كانت وحدته هشة، بحيث أنه مع أي حدث سياسي أو عسكري تبرز إلى الواجهة مخاطر التقسيم، وتنبري قوى دينية وسياسية واجتماعية للتحذير من هذه المخاطر وتؤكد على ثوابت الوحدة والتلاحم الوطني.

إننا اليوم بحاجة أن نتساءل وبشكل صريح ولا مواربة فيه. لماذا وبعد كل هذه السنين، لم تترسخ الوحدة الوطنية في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية. ولماذا يهدد العراق في وحدته، وهو دولة عربية مركزية وله ثقله الاستراتيجي والتاريخي، وهو أحد أعمدة التجربة القومية في العالم العربي في العصر الحديث..

إننا جميعا معنيون بإثارة هذه الأسئلة، والبحث عن إجابات دقيقة وصريحة لهذه الأسئلة، وممارسة النقد المطلوب لكل التجارب السياسية، التي لم تثبت بشكل أو بآخر وحدتها الوطنية، ولم تعمق وتجذر عوامل الائتلاف الوطني..

لا شك أن أعداء الأمة من مصلحتهم تفتيت مجتمعاتنا وتدمير وحداتنا الوطنية، ولكن من الخطأ المميت أن نحمل أعداء الأمة كل الثغرات ونقاط الضعف في مشروع البناء الداخلي للكثير من تجاربنا ودولنا.. لذلك وانطلاقا من طبيعة الأحداث والتطورات الموجودة في العراق، من الضروري أن نعتني بمسائل الوحدة الوطنية، ونعمل عبر وسائل ومبادرات متعددة لتحصين الجبهة الداخلية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية..

وهذا التحصين لا يعني الإصرار على تلك الأخطاء السياسية والثقافية التي كانت تمارس باسم الوحدة، وهي في حقيقة الأمر تنتج كل أشكال وحقائق التفتت والتشظي.. فمجتمعاتنا ليست واحدة في قوميتها أو دينها أو مذهبها، ولا يمكن أن يكون معنى الوحدة هو نفي بعض القوميات أو الأديان أو المذاهب. فكيف نخلق وحدة وطنية في ظل هذه التعدديات والتنوعات..

فكل التعدديات في العراق، تعتز بعراقها، ولها رؤيتها للوحدة الوطنية في العراق.. ولعل من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت في العراق ولسنين طويلة، هو ممارسة القهر والاستبداد والقمع لتعميم رؤية واحدة وضيقة للوحدة في العراق.. ولقد رأينا جميعا نتيجة هذه الرؤية وهذا الخيار، حيث أن العراق اليوم مهدد في وحدته وتلاحمه الوطني.. والحل ليس في استبداد الدولة وتغولها، لأن هذا الاستبداد والتغول ومفاعيلهما، هو الذي ينتج بشكل دائم الحقائق المضادة للوحدة بكل مستوياتها.

من هنا تنبع ضرورة العمل على صوغ علاقة ثقافية وسياسية بين مختلف المدارس والتعدديات الفكرية والقومية والمذهبية الموجودة في المجتمع والوطن.. ولعلنا لا نأت بجديد حين القول: إن التعدد بكل مستوياته وأشكاله في الوطن الواحد ينبغي أن لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية أو العنصرية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء القومي أو المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن..

فالممارسات الطائفية أو العنصرية في أي تجربة اجتماعية، هي التي تدق إسفينا عميقا في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد. لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة ملحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.. فالكراهية لا تفضي إلى الاستقرار، بل إلى التفتت والتشظي، والاصطفاء لاعتبارات آنية لا يؤدي إلى الوحدة، بل على العكس من ذلك تماما، حيث أنه يهيئ المناخ لبروز كل العوامل المضادة لها..

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التفاضل والتمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التفاضل وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن الشعب العراقي اليوم، يدفع ثمن تلك الرؤية والنظرية القومية الشوفينية، التي تعاملت مع تعددية المجتمع العراقي بعقلية الإقصاء والقمع.. فالوحدة في العراق وغيرها من البلدان، لا تصان بالنظريات الشوفينية أو تصورات الاصطفاء لاعتبارات ترابية، وإنما تصان باحترام هذه التعدديات، وصياغة نظام علاقة بين مختلف التعبيرات والمكونات قائمة على الوحدة والحوار والتفاهم وتنمية المساحات المشتركة.. والوفاق الوطني يتطلب دائما العمل على إنهاء كل العناصر والمفردات الثقافية والدينية والإعلامية، التي تؤسس للكراهية، وتشجع على عملية التهميش على قاعدة قومية أو دينية أو مذهبية..

وعلماء المسلمين «كما يعبر عن ذلك أحدهم» يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهرا لانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيرا عن حيوية عقلية وعملية، أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص، على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة، وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم.. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه..

لذلك فإن احترام هذا التعدد يعني فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد والتنوع في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءا فقهيا وفكريا وعلميا في التجربة التاريخية الإسلامية.. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجودا ورأيا، ووجود المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيدا عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ..

وإن دعوتنا الراهنة إلى حماية هذا المنجز التاريخي، يستدعي إحياء هذه القيم والمبادئ وإطلاقها على مستوى حياتنا كلها، حتى نتمكن من إنجاز فرادتنا التاريخية والحضارية. وهذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية..

فالمواطنة لا تقتضي بأي حال من الأحوال أن تندثر خصوصيات الأفراد، بل إنها تقتضي صياغة منظومة قانونية وسياسية لجميع المواطنين على قاعدة الاعتراف بتلك الخصوصيات، والتعامل الإيجابي والحضاري مع متطلبات التعدد والتنوع بمختلف أشكاله ومستوياته. فالتعدد المذهبي أو القومي ليس حالة مضادة للمواطنة، بل هو الجذر الثقافي والاجتماعي لبناء مواطنة حقيقية بعيدا عن الشعارات الشوفينية واليافطات الشعبوية والعدمية. فاحترام التعدد المذهبي وحمايته القانونية والسياسية، هو الذي يوجد الشروط المجتمعية الحقيقية لبناء مواطنة متساوية في مجتمع متعدد مذهبيا وثقافيا..

والأحداث في الساحة العراقية، ينبغي أن لا تدفعنا إلى الانكفاء والتمترس الضيق ضمن أطر ويافطات خاصة. بل إنها أي الأحداث في العراق تحملنا مسؤولية العمل على صيانة وحدتنا الوطنية، وتدفعنا إلى المزيد من الانفتاح والتواصل بين مختلف مكونات الوطن والمجتمع، وذلك من أجل تحصين وضعنا الداخلي وتصليب وحدتنا الوطنية وإفشال كل المخططات والمؤامرات التي تستهدف وحدتنا ومنجزنا الوطني..

إننا نؤكد وفي ظل هذه الظروف الحساسة، على ضرورة الخروج من دوائر الانتماء الضيقة إلى رحاب الوطن والمواطنة.. ونعمل كل من موقعه وإمكاناته لتعزيز الوحدة الوطنية، وتجاوز كل ما يعكر صفو الوئام الداخلي..

فالوحدة الوطنية القائمة، هي مكسب الجميع، وعلى الجميع أن يحافظوا عليها بالمزيد من العمل والتوافق والتفاهم والبناء..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».