آخر تحديث: 27 / 1 / 2022م - 5:14 م

التسقيط.. ظاهرة اجتماعية شيطانية

زكريا أبو سرير

روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب يقول ”كم من دم سفكه فم“...

تُعد ثقافة التسقيط ظاهرة اجتماعية خطيرة، بل تعتبر آفة اجتماعية، حيث تنشأ دوافعها من الكراهية والغيرة والحسد ضد الآخر، وظاهرة التسقيط تتخذ جوانب وأوجها عدة، منها على شكل فردي، ومنها على شكل جماعي، وغالب ما يحدث هذا الجرم الإنساني بين المتنافسين على دور أو مكانة معينة.

والتسقيط بمفهومه هو الحظ من قدر شخص ومكانته الاجتماعية أو الدينية أو العلمية أو التاريخية إلى درجة أدنى، ومن ثم فهو إسقاط أو نفي الخصائص الحسنة من الآخر، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالبهتان، أي قول الزور والكذب والافتراء، والهمز وللمز، والبهتان يراد به القول على شخص ما لم يفعله أو ليس فيه.

وآفة التسقيط تتخذ عدة أساليب وأشكال وأوجه، حسب نوعية الهدف الذي يراد ضربه أو طعنه أو تحطيمه، فتكون بعض الأساليب التسقيطية، هدفها النيل من سمعة شخص معين أو جماعة معينة، كضربهم في الجانب الأخلاقي والتركيز على ذلك الجانب، أو يكون الغرض للنيل منه في الجانب العلمي أو الديني أو الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، فيتم التركيز حول هذا الجانب الذي قد يكون الطرف الآخر بارزا فيه، ويتم ذلك عبر بث الشائعات السيئة والتضليل والحط من قدر ومكانة الآخر وتشويه صورته، والتسقيطيون في العادة لا يحملون صفة المواجهة، بل لا يحببون ذلك، لأن المواجهة بالنسبة لهم تعني إفشال المؤامرة، ولأن الغرض هو النيل من الآخر ومن ثمة تسقيطه، لا الحوار معه.

لكل آفة بيئة ثقافية تنشئة وتترعرع فيها، ومنها تتغذى فكريا وروحيا، وهؤلاء أصحاب ثقافة التسقيط غالبا ما يكونون عديمي الأخلاق والمروة والإنسانية، لهذا هم يلجؤون إلى مثل هذه الأساليب الرخيصة، الذي تعتبر نوعا من الحرب النفسية الباردة بين الأطراف المتنافسة وغير المتنافسة.

وكم هم ضحايا التسقيط، الذين سفكت دماؤهم وسمعتهم ودمر مستقبلهم بسبب فم لا يمتلك ذرة من الأخلاق أو الوازع الديني، ولا ذنب لهؤلاء الضحايا عند هؤلاء المرضى، سوى أنهم أناس مسالمون ومنتجون وفاعلون، وهذه الآفة الاجتماعية الخطيرة لن توقف عجلتها المدمرة إلا إذا اصطدمت بثقافة معاكسة لها تماما، ومن يتبنى ثقافة التسقيط لا يظن أنه ذكي أو ماهر، أكثر ما يكون إنسانا مخادعا وماكرا ومنافقا وكذابا وانتهازيا ونفعيا، فإذا اجتمعت كل هذه الخصائص الرديئة في شخصية أو جماعة تتبنى ثقافة التسقيط، عندها يسهل عليها إتقان الدور بدرجة احترافية، بحيث يشعر الآخر أنها على حق وهدى، والجانب الآخر على ظلال والظلام.

وصناع ثقافة التسقيط، قد تنتعش قلوبهم لفترة من الزمن، عندما يجدون ضحاياهم تتساقط وتهوي وتنحدر من الأعلى إلى الأسفل أمام أعينهم، جراء ما صنعوا مع شياطينهم في غرفهم المظلمة ضد تدمير الآخر المنافس لهم أو حتى غير المنافس جراء ما يحملون من الحسد والحقد والضغينة، التي تربت عليها هذه الأنفس المريضة، ولكن ليعلم هؤلاء أنهم يحفرون قبورهم بأيديهم وأنها حفر من حفر النار، ولن يدوم لهم هذا الانتعاش طويلا، لأن الله لهم بالمرصاد، ولأن القاعدة الإلهية تقول: ”الله يمهل ولا يهمل“ وأن يوم الظالم أشد ألما بألف مرة من يوم المظلوم.

وأن معترك الحياة يعتريها من المشاكل والخصام، بين الناس بعضهم ببعض، فالاختلافات الفكرية وغيرها سنة حياتية طبيعية، فكما نتفق ونتوافق وننسجم في الأفكار والرؤى والتوجهات، فمن الطبيعي أن تتباين آراؤنا وأفكارنا، ولكن من يتمتع بوعي فكري ووازع ديني، لا يجعل هذه الاختلافات والخلافات تسيطر عليه لدرج تصل به إلى مستوى الفجور في الخصام، ويتحول إلى عدو كاسر همه طحن عظام خصمه بأي وسيلة كانت.

وكما يذكر في العلوم السياسية والاجتماعية، على المتصديين للشأن العام بشقيه السياسي والاجتماعي، أن يجعلوا لهم مع أي عدو مهما كانت صفته ودرجة خطورته، مبدأ اسمه خط الرجعة، هؤلاء المتقيدون بهذا المبدأ يطلق عليهم العقلاء أو الحكماء أو مهندسي الحراك السياسي أو الاجتماعي، أي إنهم بلغوا مرتبة من الحكمة في الرأي والتفكير والتخطيط، إلى درجة أن يصل بهم الوعي لقراءة الواقع قراءة موضوعية وكشف الأحداث، والتنبؤات المستقبلية، من خلال حسابات دقيقة، ومن ضمن هذه المفاجآت المستقبلية، هي احتمالية التقاء مصالح مشتركة وتقاطع خطط مستقبلية مع هذا العدو السابق بشكل أو بآخر، حيث تصبح تلك العلاقة العدوانية إلى صداقة حميمية تتسم بروح الأخوة والمحبة، بحيث لا ترى لتلك الأحداث السابقة أثرا بينهما، إن لم تصبح في نظرهم ماضيا قد قبره الزمن، وتجدهم يتطلعوا إلى المستقبل، وما يساعد على تقوية وتمتين جسور هذه العلاقة بينهما لأجل البلوغ بها إلى أهدافهم السامية.

فلنتذكر أن صانعي ثقافة التسقيط هم جماعة بشرية شيطانية، عملها في الظلام وهمها الوحيد تدمير العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وأنهم جماعة يتمتعون بروح أنانية وعدوانية أليمة، لا تفهم إلا لغة الدمار والكراهية وبث حالة العداوات بين الناس، فلنحذرهم ونكن على وعي يمكننا من الحذر من بث سمومهم المميتة، ومن يبرر لأفعالهم، فهو شريك معهم ولا يبعد أن يكون منهم وفيهم.