آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:18 ص

رأى أمه تلبس قلاده من ذهب

الدكتور جاسم المطوع *

قال صاحبي وهو دكتور يدرس بالجامعة في بداية كل فصل دراسي أخاطب الطلبة والطالبات بثلاثة قصص، وأخبرهم بأني بعمر والدهم وأحب أن أنصحهم نصيحة عائلية، وقد بلغت من العمر ستون عاما والقصص الثلاثة هذه واحدة لي أنا وقصتين لإثنين من أخواتي، فأختي الأولى تتحسر على موقف حدث مع والدتها رحمها الله، وهو أن والدتها كلفتها يوما بعمل الشاي فعملت الشاي إلا أنها لم تجيد عمله، فلما قدمته لأمها لم يعجبها الشاي لأنه ليس له طعم الشاي لأنها استعجلت عليه، فتقول هذه الأخت والآن أنا كلما عملت الشاي أتذكر تلك اللحظة وأتحسر عليها لأني لم أحسن عمل الشاي لأمي، أما القصة الثانية فقد حصلت مع أختي الثانية عندما خرجت والدتها رحمها الله من الحمام، وكان الجو باردا فأمرتها أمها بأن تشغل المدفئة إلا أنها نسيت فشعرت والدتها بالبرد وتأثرت من ذلك الموقف كثيرا لأنها قصرت في حق والدتها، والآن بعد وفاة أمها كلما جاء البرد وفتحت التدفئة تنزل الدمعة من عينها على ذلك الموقف

ثم قال الدكتور وهو يلاحظ الطلبة يستمعون للقصص بإنصات تام، والآن أقول لكم قصتي مع أمي، ففي يوم من الأيام كانت أمي تعالج من مرض ألم بها في مستشفى بأحدى الدول الغربية وكان ابنها يدرس في أمريكا فجاءها ليأخذها من تلك الدولة إلى الكويت، وبينما هما في الطائرة سألته أمه متى تقلع الطائرة وهو لا يعرف الإجابة فنسى أن يجيب أمه وظل صامتا عشر دقائق وبعدها تذكر فسأل المضيفة عن موعد الإقلاع فلما أجابته رد على أمه بعدما تأخر عليها بحدود عشر دقائق، ثم صمت الدكتور ودمعت عيناه وقال للطلبة وإلى هذه اللحظة كلما تذكرت تأخيرى علي جواب والدتي عشر دقائق تلك أتألم وأحاسب نفسي لماذا لم أجيب أمي بسرعة وأقوم فأتصرف وأسال طاقم الضيافة لمعرفة الجواب.

وبعد ذكر هذه القصص الثلاث ومدى تأثيرها علي الطلبة في كل فصل لدرجة بعض الآباء والأمهات يتصلون عليه ويقولون له عن تغيير أبنائهم وتأثرهم بهذه القصص الثلاث وتحسن علاقتهم بوالديهم

ثم التفت على صاحبي وقال يشهد الله تعالى كم من المشاريع والأعمال الخيرية فعلتها باسم أمي كفارة عن تلك العشر دقائق التي حدثتك عنها، وأضاف بأنه رأى أمه في المنام وهي تلبس قلادة من ذهب وتشكره على أفعاله الخيرية التي نواها لها بعد وفاتها، ولعل هذه الرؤيا بشارة خير للإبن الصالح كما قال رسولنا الكريم ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، فالولد الصالح نعمة عظيمة علي الأسرة، وتذكرت عند ذكر هذه القصص كيف أن الإنسان عندما يقصر في حق ربه ووالديه فإن هذا التقصير يكون سببا لدفعه للطاعات والعمل الصالح، وكما قال الصالحون «رب طاعة أورثت عزا واستكبارا ورب معصية أورثت ذلا وأستغفارا»، فأحيانا يرتكب الإنسان التقصير والخطأ فيظل يكفر عن خطأه بالعمل الصالح حتى يعود عليه تقصيره بالخير عليه، وهذا ما حصل مع الأخوة الثلاثة مع أمهم وإحساسهم المرهف لبر أمهم،

وقد أعجبني أسلوب الإستاذ وهو يروي لطلبته من تجاربه بالحياة وعدم خجله من ذكر أخطائه وأخطاء أخواته وكيف أنهم عالجوا الخطأ في حق والدتهم وعوضوا التقصير بعد ذلك، وعرض عليهم البشارة التي رآها بالمنام، فالطالب يتأثر بالقصص الواقعية أكثر من تأثره بالتوجيه والنصح المباشر، وأذكر عندما كنت في المرحلة الثانوية كان يدرسنا أستاذ التاريخ ودائما يبدأ الحصة بطرفة فكنا نفرح عندما تأتي حصة التاريخ وننتظره بكل شوق.